ولا ينزع من شيء إلا شانه» [1] ويقول أيضًا: «إن اللهَ رفيق يُحِبُّ الرّفْقَ، ويُعطِي عليهِ ما لا يُعطِي على العُنْفِ» [2] .
فهو من شفقته دائم الترغيب لمن حوله في الله وجنته وإسلامه وكيف يسعدهم لو اتبعوه، ودائم التعاون معهم والخدمة لهم، والتدرج معهم والصبر عليهم، والفرحة بهم كلما عادوا لربهم أو التزموا بشيء من دينه ـ كما فرح الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإسلام خادمه اليهودي ـ إذ ذلك معناه خطوة أبعد عن النار ودرجة أعلى في الجنة، فالفرحة من الأدلة العملية على الشفقة!
هذا، ومن صور الشفقة أن يرهبهم أحيانًا من عذاب الله وناره، فهذا هو التوازن الذي على الداعي أن يراعيه ويقوم به حسبما تقتضيه الظروف والأحوال، فقد يستخدم بعض الشدة في بعض الألفاظ، كما جاء في القرآن الكريم على لسان بعض الأنبياء لقومهم: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [3] ، مثل الأب الذي يقسو على أبنه في بعض المواقف شفقة عليه وتحذيرًا له ومنعًا من الوقوع في الهلاك، إذا كان هو لا يعرف مصلحة نفسه! لكن هذه الشدة أمر استثنائي، ومن الأفضل للداعي ألا يصل إليها، وإن وصل فتكون شدة محدودة، مؤقتة، مع نوعية محدودة من المدعوين، المستهترين المعاندين المتعمدين للتمادي في أخطائهم. إن الشفقة والرحمة تقرب الناس وتجتذبهم، بينما الغلظة تنفرهم، كما يقول الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [4] .
ومن السلوكيات الخاطئة التي قد يصاب بها بعض الدعاة الشدة في التعامل، والغلظة في القول، ظنًا منهم ان في ذلك خيرًا كبيرًا، ومصلحة مرجوة تضمن بها تنفيذ الأعمال والأنشطة، وهو في الحقيقة سلوك نابع عن نضوب ينابيع العاطفة، وقسوة القلب.
(1) صحيح مسلم:4/ 2004، حديث (2594) .
(2) حديث صحيح: رواه ابو داؤد في سننه: 7/ 185، حديث (4807)
(3) سورة يونس: الآية 16.
(4) سورة آل عمران: الآية 159.