فاعله»، ويدعوهم أيضًا شفقة عليهم أن لا يعذبوا في الدنيا بإتباعهم نظمًا غير الإسلام تضلهم ثم يعذبوا في الآخرة في نار جهنم لمخالفتهم لأمر ربهم، ويدعوهم حبًا لهم كما لمح لذلك - صلى الله عليه وسلم - في قوله «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [1] فهو يحبهم ويريد لهم أن يسعدوا ـ كما سعد هو ـ بنظام الإسلام إذا اتبعوه في حياتهم وأحبوه ـ كما أتبعه وأحبه لأنه ينظم حياته ويسعدها ـ ثم بالثواب الهائل لذلك يوم الحساب.
لقد كانت شفقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الناس جميعًا عالية وغالبة على دعوته، يتمنى لكل نفس السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة والسعادة بنعيمها، إلى الحد الذي كان يوصيه ربه أحيانًا بأن يخفف منها وإلا تمزق قلبه ولم يستطع مواصلة دعوتهم، فقد قال سبحانه له ولكل الدعاة من بعده: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [2] .
لقد شملت شفقته - صلى الله عليه وسلم - كل الطوائف، حتى الخدم وغير المسلمين.
عن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمرض فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده؟ فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار» [3] .
إن الإسلام يحث على الشفقة حتى على الحيوان، ويثيب من يرحمه ويعذب من يعذبه، كما في قصة الرجل الذي سقى كلبًا كاد من العطش أن يقتله «فشكر الله له فغفر له فأدخله الجنة» [4] فما بالنا بالشفقة على ابن آدم!!
إن الشفقة التي في قلب الداعي لا بد أن تترجم في دعوته لمن يدعوه، في شكل لين ورفق في أقواله وأفعاله، كما يقول - صلى الله عليه وسلم - «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه،
(1) رواه الترمذي في سننه: 4/ 667، حديث (2515) . وصححه الالباني.
(2) سورة فاطر: الآية 8.
(3) صحيح ابن حبان: 11/ 243، حديث (4884) .
(4) النووي: رياض الصالحين 1/ 108.