الصفحة 16 من 129

يدعوهم الداعي. أما بالنسبة لأصل قيام الداعي بالدعوة إلى الله فهذا يجب أن يستمر ولا ينقطع [1] .

عمل الدعاة يشمل المكان البعيد والقريب:

عمل الدعاة تبليغ موضوع دعوتهم - وهو الإسلام - للناس في أي مكان يمكن الوصول إليه، فلا يقتصر عملهم على المكان القريب، بل يشمل أيضًا المكان البعيد. لأن الذي يحرك الدعاة في تنقلاتهم، والإمكان التي يقصدونها للدعوة ليس قربها، وإنما ما تقضي به اهداف الدعوة من ضرورة توجه الدعاة إلى هذا المكان أو ذاك. وعلى هذا الأساس فأي اعتبار آخر غير اعتبار اهداف الدعوة وما تقضي به أو تقتضيه هذه المصلحة من انتقال الداعي أو الدعاة إلى هذا المكان أو ذاك، بغض النظر عن بعده وعن مشقة الوصول إليه.

إن ملاحظة الداعي لغير اهداف الدعوة يعني اعتباره المنافع المادية والمعنوية لشخصه، وتقديمها على هدف الدعوة، وليس هذا من صنيع الدعاة المخلصين، وبالتالي يكون لمن يفعل ذلك نصيب من الذم الذي تضمنته الآية الكريمة في المنافقين (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [2] ، والعرض القريب يعني منافع الدنيا ومتاعها التي يسهل الظفر بها. ولاشك أن منافع الدنيا ومتاعها تشمل المنافع المادية والمعنوية التي يتطلع إليها الإنسان، ومن المعنوية حب السمعة والظهور رئاء الناس، وهذه قد يحصل عليها الإنسان في الأماكن

(1) كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخول أصحابه الموعظة في الأيام كراهة السآمة عليهم، فقد أخرج الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ما كان النبي صلى الله عليه و سلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا 1/ 25، حديث 68. عن ابن مسعود قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا) قال الإمام الخطابي تعليقًا على هذا الخبر: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يراعي الأوقات في تذكيرهم، ولا يفعل ذلك كل يوم لئلا يملّوا) . وقال أبن حجر العسقلاني في فتح الباري 1/ 163: ويستفاد من هذا الحديث استحباب ترك المداومة في الجد في العمل خشية الملال، وإن كانت المواظبة مطلوبة. وقد التزم عبدالله بن مسعود رضي الله عنه بنهج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسننه في وعظ الناس وتذكيرهم بمعاني الإسلام، فكان يقوم بذلك في كل خميس ولم يستجب لمن طلب منه أن يعظ الناس كل يوم محتجًا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تخولهم بالموعظة، فقد أخرج الإمام البخاري رحمه الله عن أبي وائل قال: (كان ابن مسعود يذكّر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم. قال ابن مسعود: أما إنه يمنعني من ذلك أن أملكم وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بها مخافة السآمة علينا.

(2) سورة التوبة: الآية 42

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت