والحقيقة أن قيام ولي الأمر بواجب الدعوة إلى الله يؤدي إلى نتائج كبيرة وموثرة جدًا لأنه يملك القوة والسلطان وبيده الأمر والنهي مما يجعله قادرًا على التنفيذ أكثر من أي واحد من آحاد الرعية، ولهذا جاء في الأثر المشهور (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقران) . وبقدر قدرة المسلم على الدعوة والتنفيذ يكون واجبه في الدعوة إلى الله ومسئوليته عن ذلك.
الداعي يدعو إلى الله في كل وقت وفي جميع أحواله وظروفه:
قلنا: إن الدعوة إلى الله واجب على المسلم فهو يؤديه بهذا الاعتبار .. وواجب الدعوة إلى الله ليس له وقت محدد كالصلاة والصيام، ولهذا فإن هذا الواجب يؤديه المسلم في جميع الأحوال والظروف وفي كل وقت يتيسر له فيه أداؤه [1] . والواقع أن الداعي إذا كان صادقًا في دعوته منشغلًا بها لا يفكر إلا فيها ولا يتحرك إلا من أجلها ولا يبخل عليها بشيء من جهده ووقته، لم يشغله عنها شاغل أبدًا حتى في أحرج الساعات وأضيق الحالات وأدق الظروف [2] ، المطلوب من الداعي أن يدعو إلى الله وليس المطلوب منه أن يستجيب الناس.
وعلى الداعي أن يراعي ظرف المدعو، فلا يدعوه في حالة غير ملائمة ولا مناسبة له، كأن يكون مشغولا، أو في حالة شديدة من الإرهاق والتعب. وكذلك على الداعي أن يتخير الوقت المناسب فلا يقصد المدعو في وقت القيلولة مثلًا، أو في ساعة متأخرة من الليل.
على الداعي أن لا يثقل على المدعو أو المدعو أو على المدعوين في تكرار تذكيرهم وموعظتهم مخافة السآمة، وهذا بالنسبة لشخص معين أو جماعة معينة
(1) قال تعالى مخبرًا عن نوح عليه السلام (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) ، (ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) [نوح: 5، 9] ، وكذلك كان رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - (يدعو قومه ليلا ونهارا وسرًا وجهارًا ولم يشغله شيء عن الدعوة إلى الله تعالى) إمتاع الأسماع للمقريزي 1/ 60.
(2) كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فعندما هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه لقي في الطريق بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه فيما بين مكة والمدينة فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا. وهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يغفل عن الدعوة إلى الله حتى وهو في طريقه مهاجرًا إلى المدينة والقوم يطلبونه. ويوسف عليه السلام عندما دخل السجن مظلومًا لم يشغله السجن وضيقه عن واجب الدعوة إلى الله ولهذا فقد اغتنم سؤال السجينين عن رؤيا رأياها، فقال لهما قبل أن يجيبهما ما اخبرنا الله به (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) سورة يوسف: الآيتان 39 - 40.