المكلف بالدعوة إلى الله هو كل مسلم ومسلمة، بالغ عاقل من الأمة الإسلامية، ذكرًا كان أو أنثى، فلا يختص العلماء، أو كما يسميهم البعض رجال الدين، بأصل هذا الواجب، لأنه واجب الجميع [1] . والدعوة إلى الله لا تسقط عن المسلم بحال من الأحوال، وهي كما مثلت بالصلاة، فالصلاة واجبة على المسلم، وأداؤها مع الجماعة أكثر أجرًا وأعظم ثوابًا، فإذا تعذر القيام بها مع جماعة أداها المسلم منفردًا وناله الأجر. وربما أجر الصلاة في جماعة؛ لأنه معذور عن أدائها في جماعة، قياسًا على القاعدين عن الجهاد لعذر شرعي [2] . وإذ تبين أن الدعوة إلى الله واجب على كل مسلم، فإن هذا الواجب يتحدد بقدر حال الداعي وقدرته، لأن القدرة هي مناط الوجوب وقدره، فمن لا يقدر لا يجب عليه، ومن يقدر فالوجوب عليه بقدر قدرته، ويدخل في مفهوم القدرة العلم والسلطان. فيجب على العالم ما لا يجب على الجاهل، ويجب على ذي السلطان ما لا يجب على غيره من آحاد المسلمين. وكل مسلم عليه أن يبلغ ما علمه، أما ما يجهله فلا يكلف بتبليغه ولا تعليمه لأنه يجهله، وفاقد الشيء لا يعطيه.
والنوع الثاني من القدرة، وهو السلطان والتمكين في الأرض، فقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع وأوجب على أصحابه أن يستعملوا ما وهبه الله لهم من تمكين وسلطان في نشر الدعوة إلى الله تعالى واعمار الأرض بفضائل الأعمال وبعبادة الله تبارك وتعالى [3] .
(1) قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف: 108] ، فأتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - المؤمنون به، يدعون إلى الله على بصيرة أي علم ويقين، كما كان رسولهم - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله على بصيرة ويقين. وفي الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليبلغ الشاهد الغائب) [صحيح البخاري: كتاب العلم، باب قول النبي صلى الله عليه و سلم (رب مبلغ أوعى من سامع) 1/ 24،حديث 67] ويدخل في معنى الشاهد كل مسلم علم من أمر الإسلام شيئًا.
(2) جاء في الحديث بشأن المتخلفين عن غزوة تبوك لعذر شرعي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن بالمدينة أقوامًا ما قطعتم واديًا ولا سرتم سيرًا إلا وهم معكم، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: نعم، ما حبسهم العذر) رواه احمد في مسنده: 20/ 238، حديث (12874) وعلق عليه الشيخ شعيب الاناؤوط: اسناده صحيح على شرط الشيخين.
(3) قال عز وجل الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: 41] وقد قال أهل التفسير في المراد من أهل التمكين في الأرض: إنهم الولاة، ومنهم من أدخل فيهم العلماء تفسير القرطبي 4/ 47، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنما نصب الإمام ليأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر وهذا مقصود الولاية. السياسة الشرعية لأبن تيمية ص 77