قال ابن الجوزى: يا معاشر العُصاة! تُعرضون عنا ونُقبل عليكم، وتبارزون ونستركم، وتنفقون نعمتنا في مخالفتنا ونمدّكم، وتنأون عنا ونستدعيكم، هل من سائل فأعطيَهُ، هل من مستغفرِ فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، يا مَرْضَى الذنوب داووها بالاستغفار. أناسٌ أعرضوا عَنا ... بلا جُرمِ ولا معنى اساءوا ظنَّهم فينا ... وما سِئْنا بهم ظنّا فإنْ عادوا لنا عُدْنا ... وإنْ خانوا فما خُنّا وإنْ كانوا قد استغنوا ... فإنّا عنهُمُ أغنى يا ابن آدم! أقبل عليَّ فإنّي عليك مقبل، ومتى رمتَ طلبي فاطلبني بقلبك، بدليل ويسعني قلب عبدي المؤمن، يا آدم أنا وحقّي لك محبّ، فبحقِّي عليك كُنْ لي مُحِبًا.
حكمة
قال ابن الجوزى: تبعدون عَنّا ونرسل إليكم مسائل هل من سائل، هل من مستغفر، هل من تائب، وتُذنبون فيأتيكم منّا عذرٌ، لو لم تُذنبوا لأتى اللهُ بقومٍ يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم. تشاغلتُمُ عنّا بصحبة غيرنا ... وأظهرتُمُ الهجران ما هكذا كُنا وأقسمتموا أن لا تحولوا عن الهوى ... فقد وجلال الله حلتم وما حلنا يقول الله - عَزّ وجلَ:ْ وعزتي و جلالي لأمهلن على من عصاني يتلذّذ بنعماي، فإِن استحيا مني استحييت منه، وإنْ أعرض عني نظرتُ إليه بالفضل وإن تاب إليّ تبت عليه، وإنْ قال: يا رب! قلتُ: يا عبدي. إخواني! ينبغي للإنسان أن لا يقف إلاّ بباب مولاه، ولا ينبغي عوضًا سواه، ولا يدعو إلا إيّاه، ولا - يجعل بينه وبينه حجابًا، ويسأله حاجاته القليل والكثير، قال موسى: يا ربّ أسألك القليل والكثير، قال: سلني كل شيءِ حتى ملْحَ عَجينك وعَلَفَ شاتكْ انظر إلى موسى وأدبه (ربِّ أَرِني أَنْظُر إليك) تارة، وتارة رغيفًا (إنّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرُ) . إخواني! انظروا إلى يوسف عليه السلام لمّا قال للساقي: (اذكرني عند ربَّك) يعني عند سيّدك وهو الملك انقطع عنه جبريل عليه السلام وكان قبل هذا يزوره، فأوحى الله إليه يا يوسف اتخذت من دوني وكيلًا، وعزّتي لأطيلنّ حبسك فيُقال إنّه لبث في السجن اثنتي عشرة سنة وهي عدد حروف"اذكرني عند ربك"خمسة قبل ذكره وسبعة بعده فلمّا كان منه ما كان من رؤية الأسباب والوسائط والالتجاء بغير جناب الحق، كانت عقوبته انقطاع جبريل عنه فَعَظُم حزنُ يوسف لذلك واغتم واشتدّ غَمُّه: بِنتُم فأوحشتُمُ الدنيا لِبَيْنِكُمُ ... فاليوم لا عوضٌ عنكم ولا بَدَلُ حملتموني على ضعفي لفرقتكم ... ما ليس يحمله سَهْل ولا جَبَلُ إذا شممتُ نسيمًا من دياركُمُ ... عدمتُ عقلي كأنّي شاربٌ ثَمِلُ
حكمة
قال ابن الجوزى: لمّا قدم الرسول من عند يوسف إلى يعقوب ليخبره بخبره، وقف بالباب وأعلم أخته أن تستأذن عليه يعقوب، فدخلت عليه وهو يصلّي فأعلمته فأوجز في الصلاة وقال لها: ما لَكِ يا بُنيّه! فقالت له: هذا رسولٌ أتى إليك من بعض القرى، فلمّا سمع ذلك قام ووقع، ثم قام ووقع، فأخذت ابنتُه بيده وأخرجتهه، فقأل له: من أنتَ؟ فقد شممت عليك رائحة طيبة أهاجت مني ما هو مكتتم. أنهى أحاديث نُعمانِ وساكنِه ... إنَّ الحديثَ عن الأحباب أسمارُ أفتِّشُ الريح عنكم كُلّما نفحت ... من نحو أرضكم نكباءُ معطارُ قال: فأخبره الأعرابي بالخبر، فقال له يعقوب - عليه السلام - أرأَيْتَهُ؟ قال: لا، ولكنّه ناجاني، فبكى يعقوب، فقال له: يا اخا العرب: هل لك من حاجة؟ قال: بل هو يحيِّيك بالسلام وأمّا أنا فليس لي في الدنيا من حاجة فإنّ ذلك الغريب أغناني، فدعا له يعقوب عليه السلام وقال هَوَّنَ اللهُ عليك سكرات الموت.
حكمة
قال أبو الفرج الهمداني: دخلتُ جامع البصرة فرأيتُ شابًا يكتب شيئًا، فقلت أيّ شيء تكتب؟ فقال لي: أسماء المحبينْ فقلت له: بالله عليك اكتبني فيهمْ قال: لا فوقع عليّ من البكاء ما لم أطقهْ فقال لي: يا شيخ ما يُبكيك: فقلت له: ألاّ ما كتبتني في المحبين أو في يحبّ المحبينْ فلمّا جَنّ الليلُ إذا أنا بهاتفِ يهتف بي ويقول لي: يا أبا الفرج قد غفر اللَهُ لكَ ذنوبك بقولك: اكتبني فيمن يحبُ المحبين. بالله بألله ... يا راكب الشملهْ أُمْنُن عليَّ وقفةً ... بجنب تلك الأثلَهْ فاندب بها تسليمة ... بين بيوت رمله وإنْ رأيتاَ هاتفًا ... يهتف بي فَقُلْ لَهْ جُنّ بكم فما الذي ... به اختلستم عَقْله
حكمة
قال بعض المشائخ - رضي الله عنه - المحبّة إذا غلبت صاحبها يرى الأشياءَ كُلَها صورة محبوبه، كما قال الجنيد: لا تصحّ المحبة من اثنين حتى يقول أحدهما للآخر يا أنا في المعنى شعر: أيها السائل عن قصتنا ... إن ترانا لم تفرق بيننا أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... فإذا أبصرتني أبصرتنا
حكمة
حُكي أنه لمّا تمكّن حبُ يوسف من زليخا نسيت كلّ شيء سواهُ، وكانت تسمّي كلَ شيء باسمه، فإذا رفعت رأسها إلى السماء ترى اسمه مكتوبًا، فتاهت في حُبِّه حتى أن يوسف لمّا سُجنَ اتخذت قصراَ بإزاء السجن، وكانت لا تنام الليل، فقيل لَها في ذلك فقالت: إن أردتموني فقلبي مسجونٌ عند مسجوني. قلبي يراك على بُعْدِ من الدار ... وأنت بالقرب من قلبي وتذكاري إن غاب شخصُك عن عيني فلم أَرَهُ ... فإنّ حُبّك معقودٌ بإضماري وانْ تكلمتُ لم ألفظ بغيركم ... و إن سكنتُ فأنتم عقد أسراري
حكمة