فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 160

الآية بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي , ونهى في وسطها عن الفحشاء والمنكر والبغي , ووعظ في آخرها وذكّر. فجمع في هذه ضروبا من البيان وأنواعا من الإحسان فذكر العدل والإحسان والفحشاء والمنكر بالألف واللام التي هي للاستغراق أي استغراق الجنس المحتوي على جميع أنواعه وضروبه , وجمع فيها بين الطباق اللفظي والطباق المعنوي. أمَّا اللّفظي ففي قوله إن الله يأمر وينهى. وأمّا المعنوي ففي قوله: العدل والإحسان وإيتاء ذي القُربى, وقوله الفحشاء والمنكر والبغي, فإن الثلاثة الأواخر أضداد الثلاثة الأُول؛ لأن الثلاثة الأُول من الفعل الحسن والثلاثة الأواخر من القبيح فطابق بين الحسن والقبيح مطابقة معنوية , ثم بيّن خصوصية ذوي القُربى بإعادة الإيصاء عليهم والإيتاء لهم, مع أن الأمر بالإحسان قد تناولهم. وبدأ بالعدل لأنه فرض, وتلاه بالإحسان لأنه مندوب إليه وقد يجب, فاحتوت الآية على حُسن النسق, وعطف الجُمل بعضها على بعض, فقدّم العدل وعطف عليه الإحسان الذي هو جنس عام, وخص منه نوعًا خاصًّا وهو إيتاء ذي القُربى, ثم أتى بالأمر مقدّمًا وعطف عليه النهي بالواو, ثم رتّب جُمل المنهيّات, كما رتّب جُمل المأمورات في العطف, بحيث لم يتأخّر في الكلام ما يجب تقديمه, ولم يتقدّم عليه ما يجب تأخيره, ثم ختم ذلك كله بأمور مستحسنة, ودعا إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة. فاحتوت الآية على ضروب المحاسن والقضايا, وأشتات من الأوامر والنواهي والمواعظ والوصايا, ما لو بثّ في أسفار عديدة لما أسفرت عن وجوه معانيها, ولا احتوت على أصولها ومبانيها- سبحان من لا يشبه خلقه ذاتا ولا كلاما ولا أحكاما" [1] "

(1) كتاب الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان لابن القيم ص 80 , دراسة وتحقيق: محمد عثمان الخشت , مكتبة القرآن. القاهرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت