وإذا كان محمد - صلى الله عليه وسلم - قد عرف بالصدق التام مع الناس وأنه ما أثر عنه كذب عليهم فهل يتصور أن يكذب على الله تعالى؟
إن هذا محال كما قال ملك الروم لما سأل أبا سفيان: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. قال: فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله [1]
إن هذا أمر متناف مع طبيعة الأشياء فهي تأبى أن يظل الرجل صادقا مشهورا بالصدق لا يفتري الكذب على بشر من بني جنسه ثم يكذب كذبة عظيمة لا يجرؤ عليها إلا شرار الناس فيزعم كذبا أنه رسول من عند الله تعالى.
إذا قلنا عن محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه كاذب فمن يصدق؟!
إن الذي يتهم محمد - صلى الله عليه وسلم - بالكذب وقد عرف تاريخه ينبغي له إن أراد يكون منطقيا مع نفسه ألا يصدق إنسانا أبدا
إن هذه التهمة بعيدة كل البعد عن محمد - صلى الله عليه وسلم - ويزيدها بعدا أن الناس إنما يكذبون لتحصيل منفعة دنيوية ولكن تاريخ النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - يدلنا على أنه لم ينل من دعوته كسبا ماديا:
لقد لاقي - صلوات الله وسلامه عليه - الأذى من التكذيب والسب والسخرية والضرب والمقاطعة الاجتماعية والتجويع والإخراج ثم كانت الحروب والقتال التي شنها عليه أعداؤه
ولما أن نجحت دعوته بتوفيق من الله عز وجل وجاءت إليه الأموال هل تغيرت سيرته فذهب يسكن القصور ويؤثثها بفاخر الأثاث؟
(1) صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري 1/ 31 - 32 , كتاب بدء الوحي , باب 6 حديث رقم 7 , السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة , محمد أبو شهبة 2/ 359 , دار القلم - دمشق ,ط 3 , 1417 هـ - 1996 م