قَوْله: (ظِئْرًا) أَيْ مُرْضِعًا , وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لأَنَّهُ كَانَ زَوْج الْمُرْضِعَة , وَأَصْل الظِّئْر مِنْ ظَأَرَتْ النَّاقَة إِذَا عَطَفَتْ عَلَى غَيْر وَلَدهَا فَقِيلَ ذَلِكَ لِلَّتِي تُرْضِع غَيْر وَلَدهَا , وَأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى زَوْجهَا لأَنَّهُ يُشَارِكهَا فِي تَرْبِيَته غَالِبًا.
قَوْله: (لإِبْرَاهِيم) أَيْ اِبْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَوْله: (وَإِبْرَاهِيم يَجُود بِنَفْسِهِ) أَيْ يُخْرِجهَا وَيَدْفَعهَا كَمَا يَدْفَع الإِنْسَان مَاله , وَقِيلَ مَعْنَاهُ يُقَارِب بِهَا الْمَوْت
قَوْله: (تَذْرِفَانِ) أَيْ يَجْرِي دَمْعهمَا.
قَوْله: (وَأَنْتَ يَا رَسُول اللَّه) ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ. فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّب , وَالْوَاو تَسْتَدْعِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ أَيْ النَّاس لا يَصْبِرُونَ عَلَى الْمُصِيبَة وَأَنْتَ تَفْعَل كَفِعْلِهِمْ , كَأَنَّهُ تَعَجَّبَ لِذَلِكَ مِنْهُ مَعَ عَهْده مِنْهُ أَنَّهُ يَحُثّ عَلَى الصَّبْر وَيَنْهَى عَنْ الْجَزَع
فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ"إِنَّهَا رَحْمَة"أَيْ الْحَالَة الَّتِي شَاهَدْتهَا مِنِّي هِيَ رِقَّة الْقَلْب عَلَى الْوَلَد لا مَا تَوَهَّمْت مِنْ الْجَزَع اِنْتَهَى.
قَوْله: (ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى) قِيلَ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَتْبَعَ الدَّمْعَة الأُولَى بِدَمْعَةٍ أُخْرَى , وَقِيلَ أَتْبَعَ الْكَلِمَة الأُولَى الْمُجْمَلَة وَهِيَ قَوْله"إِنَّهَا رَحْمَة"بِكَلِمَةٍ أُخْرَى مُفَصَّلَة وَهِيَ قَوْله"إِنَّ الْعَيْن تَدْمَع"
قَالَ اِبْن بَطَّال وَغَيْره:
هَذَا الْحَدِيث يُفَسِّر الْبُكَاء الْمُبَاح وَالْحُزْن الْجَائِز , وَهُوَ مَا كَانَ بِدَمْعِ الْعَيْن وَرِقَّة الْقَلْب مِنْ غَيْر سُخْط لأَمْرِ اللَّه , وَهُوَ أَبْيَن شَيْء وَقَعَ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة تَقْبِيل الْوَلَد وَشَمّه , وَمَشْرُوعِيَّة الرَّضَاع , وَعِيَادَة الصَّغِير , وَالْحُضُور عِنْد الْمُحْتَضَر , وَرَحْمَة الْعِيَال , وَجَوَاز الإِخْبَار عَنْ الْحُزْن وَإِنْ كَانَ الْكِتْمَان أَوْلَى , وَفِيهِ وُقُوع الْخِطَاب لِلْغَيْرِ وَإِرَادَة غَيْره بِذَلِكَ , وَكُلّ مِنْهُمَا مَأْخُوذ مِنْ مُخَاطَبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَده مَعَ أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَفْهَم الْخِطَاب لِوَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا صِغَره , وَالثَّانِي نِزَاعه. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْخِطَابِ غَيْره مِنْ الْحَاضِرِينَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُل فِي نَهْيه السَّابِق. وَفِيهِ جَوَاز الاعْتِرَاض عَلَى مَنْ خَالَفَ فِعْله ظَاهِر قَوْله لِيَظْهَر الْفَرْق
وَحَكَى اِبْن التِّين قَوْل مَنْ قَالَ: إِنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى تَقْبِيل الْمَيِّت وَشَمّه , وَرَدَّهُ بِأَنَّ الْقِصَّة إِنَّمَا وَقَعَتْ قَبْل الْمَوْت وَهُوَ كَمَا قَالَ. [1]
وعند مسلم: فَقَالَ أَنَسٌ:
(1) فتح الباري باختصار (3/ 207)