(( لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:"تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلا نَقُولُ إِلا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَاللَّهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ ) ) [1] "
(وَهُوَ يَكِيد بِنَفْسِهِ) أَيْ يَجُود بِهَا , وَمَعْنَاهُ: وَهُوَ فِي النَّزْع.
قَوْله: (فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى آخِره) فِيهِ جَوَاز الْبُكَاء عَلَى الْمَرِيض وَالْحُزْن , وَأَنَّ ذَلِكَ لا يُخَالِف الرِّضَا بِالْقَدَرِ , بَلْ هِيَ رَحْمَة جَعَلَهَا اللَّه فِي قُلُوب عِبَاده , وَإِنَّمَا الْمَذْمُوم النَّدْب وَالنِّيَاحَة , وَالْوَيْل وَالثُّبُور , وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل الْبَاطِل , وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَلا نَقُول إِلا مَا يُرْضِي رَبّنَا". [2]
وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ:
(( كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا أَوْ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ) ) [3]
قَوْله: (وَنَفْسه تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّة) الشَّنَّة الْقِرْبَة الْبَالِيَة وَمَعْنَاهُ لَهَا صَوْت وَحَشْرَجَة كَصَوْتِ الْمَاء إِذَا أُلْقِيَ فِي الْقِرْبَة الْبَالِيَة، وهذا هو الشاهد من الحديث الدال على شدة الموت.
أدب نبوي: الدعاء عند الميت:
في الفقرة السابقة تبين لنا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله عند نزول الموت وحدوث المصيبة وفي الأحاديث التالية وصيته صلى الله عليه وسلم لأفراد أمته، وتعليمهم كيف يواجهون ما ينزل بهم من مصاب .. فمن ذلك: ألا يقول الإنسان إلا خيرًا، ولا يدعو إلا بخير، ويدعو لنفسه وللميت بالعفو والمغفرة، وأن يسترجع، ويفوض أمره إلى تعالى.
(1) رواه مسلم في الجنائز باب رحمته صلى الله عليه وسلم العيال (4279)
(2) شرح مسلم (8/ 22)
(3) رواه البخاري في الجنائز (1384) ، ومسلم في الجنائز (1531) ، والنسائي في الجنائز (1845) ، وأبو داود في الجنائز (2718) ، وابن ماجه في الجنائز (1577) ، وأحمد (20777) .