وَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل الْهِجْرَةِ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ؛ لأِنَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّل الأْمْرِ هُوَ التَّبْلِيغُ وَالإْنْذَارُ، وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ، وَالصَّفْحُ وَالإْعْرَاضُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، وَبَدَأَ الأْمْرَ بِالدَّعْوَةِ سِرًّا ثُمَّ جَهْرًا. [1]
قَال اللَّهُ تَعَالَى (( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) ) [2] وَقَال أَيْضًا (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) ) [3] وَقَال أَيْضًا (( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) ) [4]
ـ ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَال إِذَا ابْتَدَأَهُمُ الْكُفَّارُ بِالْقِتَال، وَكَانَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى (( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) ) [5]
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (( لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ لَيَهْلِكُنَّ، فَنَزَلَتْ (( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) )فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ )) [6]
ــ ثُمَّ شَرَعَ اللَّهُ الاِبْتِدَاءَ بِالْقِتَال عَلَى الإْطْلاَقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) [7]
وَقَوْلِهِ تعالى (( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) ) [8]
وَتُسَمَّى هَذِهِ آيَةُ السَّيْفِ
وَقِيل: هِيَ قَوْله تَعَالَى (( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ) ) [9]
(1) - القرطبي 1/ 722، وعمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير 2/ 46، وإمتاع الأسماع للمقريزي 1/ 51.
(2) الحجر 85
(3) النحل 125
(4) الحجر 94
(5) الحج:39
(6) رواه النسائي في الجهاد باب وجوب الجهاد (3035) ، والترمذي في تفسير القرآن (3095) وقال الألباني إسناده صحيح في صحيح النسائي (3085) .
(7) التوبة 41
(8) التوبة 36
(9) التوبة 5