حكم الجهاد
قال الإمام البخاري رحمه الله:
بَاب وُجُوبِ النَّفِيرِ وَمَا يَجِبُ مِنْ الْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ، وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:
(( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ .. الآيَةَ ) )
وَقَوْلِهِ (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ .. إِلَى قَوْلِهِ .. عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ). [1]
قال الحافظ: قَوْله: وَقَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ (اِنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) هَذِهِ الآيَة مُتَأَخِّرَة عَنْ الَّتِي بَعْدهَا , وَالأَمْر فِيهَا مُقَيَّد بِمَا قَبْلهَا لأَنَّهُ تَعَالَى عَاتَبَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَأَخَّرُونَ بَعْد الأَمْر بِالنَّفِيرِ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ (اِنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف قَدَّمَ آيَة الأَمْر عَلَى آيَة الْعِتَاب لِعُمُومِهَا , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَة أَبِي الضُّحَى قَالَ"أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْ بَرَاءَة (اِنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) وَقَدْ فَهِمَ بَعْض الصَّحَابَة مِنْ هَذَا الأَمْر الْعُمُوم فَلَمْ يَكُونُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْغَزْو حَتَّى مَاتَ مِنْهُمْ أَبُو أَيُّوب الأَنْصَارِيّ وَالْمِقْدَاد بْن الأَسْوَد وَغَيْرهمْ"
وَمَعْنَى قَوْله خِفَافًا وَثِقَالًا: مُتَأَهِّبِينَ أَوْ غَيْر مُتَأَهِّبِينَ نَشَاطًا أَوْ غَيْر نَشَاط , وَقِيلَ رِجَالًا وَرُكْبَانًا.
قَوْله: وَقَوْله تَعَالَى (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ اِنْفِرُوا فِي سَبِيل اللَّه اِثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْض) قَالَ الطَّبَرِيُّ: يَجُوز أَنْ يَكُون قَوْله تَعَالَى (إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) خَاصًّا وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ اِسْتَنْفَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَامْتَنَعَ , وَأَخْرَجَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَعِكْرِمَة أَنَّهَا
(1) الفتح (6/ 44) .