ألم يخرجوا المسلمين من بلادهم ولا يزالون يبذلون الجهد والمال من أجل ذلك .. كما يحدث في فلسطين وغيرها .. ألم يقسموا السودان إلى نصفين .. فأعطوا الجنوب إخوانهم النصارى .. والمخططات جارية في بلدان أخرى لتقسيمها وتمزيقها لتسهيل إستيلاء اليهود والنصارى عليها .. بإقامة حروب لا تنتهي .. وزرع فتن لا تنطفيء ..
وهذه علة ثالثة ذكرها الله في الآيات (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) وقد صارت الفتن منتشرة في كل مكان بأيديهم النجسة، فتن الشرك وفتن الشهوات وفتن الشبهات وفتن المال الحرام، أليس الأمر يحتاج إلى جهاد حتى يكون الدين لله تعالى، وحتى يقام شرعه وأمره ثانية على هذه الأرض.
فما دامت هذه العلل موجودة .. فالجهاد مستمر .. وأمر الله به واضح جلي .. لا يجادل فيه إلا كافر به وبشرعه، أو منافق معلوم النفاق.
وقال تعالى:
(( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ) [1]
وهي مثل الآية السابقة التي توجب الجهاد والقتال، حتى يكون الأمر كله لله تعالى ولشرعه ولدينه، وكلمته هي العليا، وأمره هو الظاهر، وتحطيم كل قوة في الأرض تقوم على أساس عبودية البشر للبشر - في صورة من الصور - وذلك لضمان دفع الأذى والفتنة عمن يعتنقون هذا الدين، ويعلنون تحررهم من حاكمية الإنسان، ويرجعون بعبوديتهم لله وحده، ويخرجون من العبودية للعبيد في جميع الصور والأشكال، ولإعلان ألوهية الله وحدها في الأرض كلها، بحيث لا تكون هناك دينونة إلا لله وحده - فالدين هنا بمعنى الدينونة لسلطان الله - وليس هو مجرد الاعتقاد.
فالحكم كما يقول العلماء يدور مع علته .. ومادامت العلة موجودة .. فالحكم باقٍ وموجود .. وما دامت قوى الشر والطغيان تقاتل وتفتن، تريد أن يكون الأمر للطواغيت لا لله .. فلا بد أيضًا من وجود جهاد يدفع هذه الفتن والبلايا ويصد أعداء الله عن إنفاذ مخططاتهم .. لا بد من وجود جهاد
(1) الأنفال 39