فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 27

ميلُ النفس للشهوات مُركَّب في الإنسان، مُتأصِّلٌ فيه، فِطْري بطبعه، فلا يُتصور من المنهج الإسلامي الفريدِ أن يأتي بما يضادُّ الفطرة؛ وإنما بما يُهذِّبها ويُرقِّيها، ويُوقِظُ جانبًا آخرَ في فطرة الإنسان موازنًا ذلك الميل، فيحرسُ صاحبه من الاستغراق في الشهوات، ويربط قلب الإنسان بالله ورضوانه والدار الآخرة الله، ويُنقِّيه من الشوائب؛ حتى يصبح معتدلًا، لا يطغى فيه جانبُ اللذة على جانب الروح وأشواقها إلى الله.

وهذا ما يمتاز به المنهج الإسلام الربَّاني: أنه يراعي الفطرة ويرتفع بها من خلال تهذيبها، وليس كَبْتها أو قمعها، وهذا هو السرُّ في أن الدينَ الإسلاميَّ هو الأكثر انتشارًا في الكرة الأرضية، وهو أيضا السرُّ في سيطرة بما يعرف بالإسلام فوبيا على عقول الغرب الكافر.

متاع الدنيا وإن كان حرثًا مخصبًا، فإن في الآخرة جناتٍ خالدة تجري من تحتها الأنهار، وإن كان متاع الدنيا نساء، ففي الآخرة أزواج مطهَّرة، بل إن هنالك ما هو أكبر من كل شيء:"رضوان من الله"، فالله تعالى وتقدَّست أسماؤه يقول لأهل الجنة: (( يا أهل الجنة، فيقولون: لبَّيْك ربَّنا وسَعْدَيْك، والخيرُ في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب؛ وقد أعطيتنا ما لم تُعطِ أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأيُّ شيء أفضل من ذلك؟! فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسخطُ عليكم بعده أبدًا ) )؛ رواه مسلم (4/ 2176) عن أبي سعيد الخدري.

قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} [محمد: 36] ،"والحياة الدنيا لعب ولَهْو حين لا يكون وراءها غاية أكرم وأبقى، حين تُعاش لذاتها مقطوعةً عن منهج الله فيها، ذلك المنهج الذي يجعلها مزرعةَ الآخرة، ويجعل إحسان الخلافة فيها هو الذي يستحقُّ وراثة الدار الباقية."

وهذا هو الذي تشير إليه الفقرة التالية في الآية: {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} [محمد: 36] ؛ فالإيمان والتقوى في الحياة الدنيا هو الذي يخرجها عن أن تكون لعبًا ولهوًا، ويطبعها بطابع الجدِّ، ويرفعها عن مستوى المتاع الحيواني إلى مستوى الخلافة الراشدة، المتصلة بالملأ الأعلى، ويومئذٍ لن يكون ما يبذلُه المؤمن المتقي من عَرَض هذه الحياة الدنيا ضائعًا ولا مقطوعًا؛ فعنه ينشأ الأجر الأوفى، في الدار الأبقى" [1] ."

(1) في ظلال القرآن (6/ 3302) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت