"والقرآن لا يعني بهذا أن يَحضَّ على الزهد في متاع الحياة الدنيا، والفرار منه، وإلقائه بعيدًا؛ إن هذا ليس روح الإسلام ولا اتجاهه؛ إنما يعني: مراعاةَ الآخرة في هذا المتاع، والوقوف فيه عند حدود الله، كما يقصد الاستعلاء عليه؛ فلا تصبح النفسُ أسيرةً له، يكلِّفها ما يكلفها فلا تتأبَّى عليه، والمسألة مسألة قيم يَزنُها بميزانها الصحيح، فهذه قيمة الدنيا، وهذه قيمة الآخرة كما ينبغي أن يستشعرَها المؤمن، ثم يسير في متاع الحياة الدنيا على ضوئها، مالكًا لحريته، معتدلًا في نظرته: الدنيا لهو ولعب، والآخرة حياةٌ مليئة بالحياة" [1] .
وهنا مسألة خفية يجب التفطُّنُ إليها؛ وهي: أن أكثر الناس يظنُّ أن التحذير من التماهي مع فتنة الدنيا، إنما هو لأهل المتاع فقط، وهذا ظنٌّ خاطئ نبَّهَنا الله عليه في قوله: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131] [2] .
فنهى سبحانه عن تكرُّر النظر بالإعجاب والاستحسان إلى المتمتِّعين بلذات الدنيا من المآكل، والمشارب، والملابس، والمنازل، والنساء، وغيرها من زهرة الحياة الدنيا التي تخطف الأبصارَ، وطيَّب نفوسهم بقوله: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131] ؛ العاجل والآجل، فيشمل العلمَ والإيمان، والأعمال الصالحة، والنعيم المقيم في جوار رب العالمين، فهذا هو الباقي الذي لا ينقطع، وقد نبَّه على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال في مَعْرض كلامه على تلك الآية الشريفة:
"يتناول النظر إلى الأموال واللِّباس والصور، وغير ذلك من متاع الدنيا؛ وذلك أن الله يُمتِّع بالصور كما يُمتِّع بالأموال، وكلاهما من زهرة الحياة الدنيا، وكلاهما يفتن أهله وأصحابه، وربما أفضى به إلى الهلاك دنيا وأُخرى، والهَلْكَى رجلان: فمستطيع وعاجز؛ فالعاجز مفتونٌ بالنظر ومد العين إليه، والمستطيع"
(1) في ظلال القرآن (5/ 2751) .
(2) في ظلال القرآن (4/ 2357) :
"زهرة الحياة الدنيا": التي تطلعها كما يطلع النبات زهرته لامعة جذابة.
والزهرة: سريعة الذبول على ما بها من رواء وزواق، فإنما نمتعهم بها ابتلاء {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه: 131] ؛ فنكشِف عن معادنِهم، بسلوكهم مع هذه النعمة وذلك المتاع، وهو متاعٌ زائل، كالزهرة سرعانَ ما تَذْبُل، {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131] ، وهو رزق للنعمة لا للفتنة، رزق طيب خير باقٍ، لا يذبل ولا يخدع ولا يفتن.
وما هي دعوة للزهد في طيبات الحياة، ولكنها دعوة إلى الاعتزاز بالقيم الأصيلة الباقية وبالصلة بالله والرضا به؛ فلا تتهاوى النفوس أمام زينة الثراء، ولا تفقد اعتزازها بالقيم العليا، وتبقى دائمًا تحس حرية الاستعلاء على الزخارف الباطلة التي تبهر الأنظار.