من التهاوي أمام زينة الدنيا، أو فقدانِ اعتزازها بالقيم العليا، وتبقى دائمًا تحس حرية الاستعلاء على الزخارف الباطلة التي تَبهر الأنظار.
وهي دعوة لضبط اليَقَظة الدائمة، والتعلُّق بما عند الله، وتحفيز البواعث الفطريَّة الخفية للخير؛ حتى تتطلع النفس إلى آفاق أعلى، وتُعصم من الانحراف، فالإسلام لا يدعو أتباعه لكَبْت الرغبة في الدنيا، وحَرْسِها ورعايتها، ولكن يدعو إلى ضبطِها وتنظيمِها، وتخفيفِ حِدَّتها واندفاعها، وإلى أن يكون الإنسان مالكًا لها، متصرِّفًا فيها، محتفظًا بإنسانيته الرفيعة، لا أن تكون مالكةً له، متصرفة فيه، تستغرقه لذائذُها المحبَّبة للنفوس.
ومَن تأمل قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] ، يُدرِكُ هذا؛ فالله تعالى جمَعَ في آية واحدة أحبَّ شهوات الأرض إلى نفس الإنسان، وخلاصة رغائبه الأرضية، ثم في الآية التي تليها عرَضَ لذائذَ أخرى في الحياة الآخرة، فقال: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 15] .
ولا نستطيع أن نزعم أن هذه الرؤية التي بين يديك هي كلمةُ الفصل في هذا الموضوع الشائك الكبير، ولكن حسْبُنا أننا حاولنا وبذلنا جهدَنا بموضوعية، كبداية للخروج من هذه الأزمة التي أحاطت بنا، بعدما استفحَلَ خطرُها، ووقع الخطر في المحيط الإسلامي، حتى أصاب العطَبُ الثوابتَ والتصوُّرات، والله المستعان، وهو المسؤول سبحانه أن يرفع عن أمتنا الإسلاميَّة ما ألمَّ بها؛ ومن أجل هذا نقدم للقارئ العزيز تلك المحاولة المتواضعة، التي سيعقبها - إن شاء الله تعالى - سلسلة كاملة لعلاج أمراض الأمة؛ كرسالة حبٍّ لأمتنا الإسلامية، وخطوطٍ عامة يصلح الالتفاف حولها؛ لنعود بحق خيرَ أمة أُخرجت للناس.
وكتبه: أبو محمد خالد الرفاعي.
الفصل الأول