فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 27

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، فالقلبُ إذا امتلأ من حبِّ الدنيا، لم يدخله سواها من الحق، والله سبحانه لم يجعل لرجل من قلبَيْنِ في جوفه، فبَقدْر ما يَدخُل القلبَ من همٍّ وإرادة وحب، يخرُج منه همٌّ وإرادة وحبٌّ يقابِلُه، فهو إناء واحد، والأشربة متعددة، فأيُّ شراب ملأه، لم يبقَ فيه موضعٌ لغيره، وإنما يمتلئ الإناءُ بأعلى الأشربةِ إذا صادفه خاليًا، فأما إذا صادفه ممتلئًا من غيره، لم يساكنْه حتى يخرجَ ما فيه، ثم يسكن موضعه، كما قال بعضهم:

أتاني هواها قبلَ أن أعرفَ الهوى = فصادَف قلبًا خاليًا فتمكَّنَا [1]

فإن قُوى الحب متى انصرفت إلى جهة، لم يبقَ فيها مُتَّسع لغيرها، ومن أمثال الناس:"ليس في القلب حُبَّان، ولا في السماء رَبَّان"، ومتى تقسَّمت قوى الحب بين عدة محالَّ، ضعُفت لا محالةَ، وتأمل قولَه سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: 1 - 3] ، كيف أمره بتقواه المتضمِّنة لإفراده بامتثال أمره ونهيه، محبةً له وخشية ورجاء؛ فإن التقوى لا تتمُّ إلا بذلك، واتِّباعِ ما أوحي إليه المتضمِّن لتركِه ما سوى ذلك، واتباع المنزَّل خاصة، وبالتوكل عليه، وهو يتضمن اعتماد القلب عليه وحدَه، وثقته به، وسكونه إليه دون غيره، ثم أَتْبع ذلك بقوله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب: 4] ؛ فأنت تجد تحتَ هذا اللفظ أن القلب ليس له إلا وجهة واحدة؛ إذا مال بها إلى جهة، لم يَمِلْ إلى غيرها، وليس للعبد قلبان؛ يطيعُ الله ويتبع أمرَه ويتوكل عليه بأحدهما، والآخرُ لغيره، بل ليس له إلا قلب واحد، فإن لم يُفرِد بالتوكُّل والمحبة والتقوى ربَّه، وإلا انصرف ذلك إلى غيره [2] .

لا تظنَّ أيها القارئ الكريم أن ما بين يدك هو دعوة للزهد في طيبات الحياة، أو دعوة لتركها دَبْرَ الآذان؛ وإنما هي دعوة إلى الاعتزاز بالقيم الأصيلة الباقية، وبالصلة بالله، والرضا به؛ التي تعصم النفوس

(1) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: 18) .

(2) روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 288) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت