مقدمة
مَن ينظر إلى العالم الإسلامي اليوم، يرى أهوالًا ونكباتٍ تتصدَّع لها القلوب، وترجُف لها الأفئدة والكيان؛ بما حلَّ بالمسلمين من انحطاط في جميع المجالات، ويدرك أن هناك خللًا كبيرًا أحلَّ بنا عقابَ الله تعالى؛ أترانا استبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ أم أننا أردنا الدنيَّة، وقد أراد الله بنا العليَّة؟ واشترينا الضلالة بالهدى، وآثرنا الحرب على السلام؟ فأيَّةُ صفقة خاسرة هذه التي جلبت هذا الاستبدال العجيب، وأنزلت بنا عقابَ الله حتى صِرنا وبالًا على أمَّتِنا؟ واستدبر أكثر الناس نعمةَ الله الكبرى، الممثَّلة في رسوله الكريم، وفي دعوة التوحيد، وإنقاذ البشرية، وقيادتها إلى الجنة والمغفرة، بعد أن نُنقِذَ نحن أنفسَنا، ونفيءَ إلى رضوان الله، ونتبعَ ما ارتضاه، فهل تركنا هذا كلَّه، وأصبحنا نعيش في ظلمات الشبهات والشهوات، والخرافات والأساطير، والتصورات المنحرفة، والحيرة والقلق، والانقطاع عن الهدى والوحشة، واضطراب القيم والموازين؟
أتظنُّ أن السبب الرئيسَ هو طغيانُ الدنيا على القلوب والاشتغال بها؛ حتى أصبحت همَّنا الأكبر؟ فأرسل الله علينا ذلًّا وضعفًا واستهانة؛ فلا يزيله ويكشفه عنا حتى نرجعَ إلى الاشتغال بأمور دينِنا، كما في الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إذا تبايعتم بالعِينةِ، وأخذتم أذنابَ البقر، ورَضيتم بالزرع، وتركتم الجهادَ، سلَّط الله عليكم ذلًّا، لا ينزعُه حتى ترجعوا إلى دينكم ) ).
فانظر كيف جعل رسولُ الله عقوبة وإنذارًا لاشتغال المسلمين بالدنيا كعقوبة الخروج عن الدين؛ وذلك زيادةً في التحذير من خطر الدنيا وزينتها.
وعن ثوبان مرفوعًا: (( يوشك الأمم أن تَداعى عليكم، كما تداعى الأَكَلة إلى قَصْعتها ) )، فقال قائل: ومِن قلَّة نحن يومئذٍ؟ قال: (( بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غُثاءٌ كغثاء السَّيل، ولينزعَنَّ الله من صدور عدوكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبكم الوَهْن ) )، فقال قائل: يا رسولَ الله، وما الوَهْنُ؟ قال: (( حبُّ الدنيا، وكراهيةُ الموت ) )؛ رواه أبو داود وغيره.
وكلُّ إنسان يعرف من نفسه التي بين جنبيه أن الإفراط في الدنيا واتِّباعَ حظوظ النفس - حتى ولو كانت مباحة - يُبعِد عن الله تعالى؛ لما فيه من الانشغال عما أراده الله تعالى منا، قال الله تعالى: