الفصل الثالث
الوسائل الشرعيَّة الفعَّالة للتغلب على فتن الدنيا
خلق الله تعالى النفس البشرية قابلةً للتزكية والتقويم، وصالحةً لأَنْ تُقاد بسلاسل العبر إلى عبادة ربها وخالقها، ومنعها من اللذة والشهوة المهلكة، وركَّب سبحانه في الفطرة توحيدَه واختياره، وخلق القلب يحب الحقَّ ويريده ويطلبه، فإذا عرضت له إرادة الشر طلَبَ دفْعَها؛ لأنها تفسده كما يفسد الدَّغَل الزرع، فإذا أهملت شردَت وجمَحَت، ولم يظفر بها بعدُ، والناجي يومَ القيامة هو مَن لا يغفل عن تذكيرها وردِّها عن غَوايتها.
وتأمل - أيها القارئ الكريم - كيفَ أقسم الله تعالى في مطلع سورة الشمس أحدَ عشر قسمًا بشيء من العالم العلوي والعالم السفلي، وبما هو آلة التفكُّر؛ وهي النفس المفلحة وغيرها من النفوس الفاجرة، ثم قال سبحانه جواب القسم: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10] [1] ؛ أي: لقد أفلَح مَن طهَّر نفسه من الذنوب، ونقَّاها من العيوب، ورقاها بطاعة الله وصالح
(1) قال الحسن: قد أفلح مَن زكَّى نفسه وحملها على طاعة الله، وقد خاب من أهلكها وحملها على معصية الله، وقاله قتادة. وقال ابن قتيبة: (يريد أفلح مَن زكَّى نفسه؛ أي: نمَّاها وأعلاها بالطاعة، والبر، والصدقة، واصطناع المعروف، {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} ؛ أي: نقصها وأخفاها بترك عمل البر، وركوب المعاصي) ؛ التبيان في أقسام القرآن (ص: 21) ، وقال في الجواب الكافي (ص: 78) :"ومن عقوباتها - أي المعاصي: أنها تصغر النفس، وتقمعها، وتدسيها، وتحقرها، حتى تكون أصغرَ كلِّ شيء وأحقره، كما أن الطاعة تنمِّيها وتزكيها وتكبرها، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10] ، والمعنى: قد أفلح مَن كبرها وأعلاها بطاعة الله وأظهرها، وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغَّرها بمعصية الله."
فالعاصي يدس نفسه في المعصية، ويخفي مكانها، يتوارى من الخلق من سوء ما يأتي به، وقد انقمع عند نفسه، وانقمع عند الله، وانقمع عند الخلق، فالطاعة والبر تكبرُ النفس وتعزُّها وتُعْليها؛ حتى تصير أشرفَ شيء وأكبره، وأزكاه وأعلاه، ومع ذلك فهي أذلُّ شيء وأحقره وأصغره لله تعالى، وبهذا الذلِّ حصل لها هذا العز والشرف والنمو، فما أصغرَ النفوسَ مثلُ معصية الله، وما كبرها وشرفها ورفعها مثلُ طاعة الله"."