الأعمال، وعلاها بالعلم النافع والعمل الصالح، وخاب وخسر من دنَّس نفسها بالرذائل والعيوب، واقتراف الذنوب، وكل ما يشينها.
وما أروع ما قال البوصيري في بردته:
مَن لي بردِّ جماح من غَوايتها = كما يُرَدُّ جماحُ الخيل باللُّجمِ
فلا تَرُمْ بالمعاصي كسرَ شهوتِها = إنَّ الطَّعام يقوِّي شهوةَ النَّهِمِ
والنَّفسُ كالطِّفل إن تهملْه شبَّ على = حبِّ الرَّضاع، وإن تَفطمْه يَنفَطِمِ
فاصرفْ هواها وحاذِرْ أن تولِّيَه = إنَّ الهوى ما تولَّى يُصْمِ أو يَصِمِ
وراعِها وهْيَ في الأعمال سائمةٌ = وإن هيَ اسْتحْلَتِ المرعى فلا تُسِمِ
كم حسَّنتْ لذَّة للمرء قاتلة = من حيث لم يدرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ
وقال آخر:
والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتها = وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تقنعُ [1]
وقال آخر:
إنَّ الغصونَ إذا عدلْتَها اعتدلَتْ = ولا تلينُ إذا كانتْ من الخشبِ
فلكل داء دواء، ولكن حتى يصيب دواءُ الداء يجب أن نفهم تلك الحقائق، ونعمل بموجبها، ونرفعها إلى مستوى الحقيقة الإيمانية الكبرى، التي تصغر معها كلُّ قيم الأرض، وتذوب في حرارتها كلُّ عوائقها، فالحياة الدنيا إنما تعظم في العين وفي الحس حين تقاس بمقاييسها هي، ولكنها حين تُوزنُ بميزان الآخرة تبدو شيئًا زهيدًا تافهًا: لعبًا، ولهوًا، وزينة، وتفاخرًا، وتكاثرًا، ولكن ما أسهل هذا بالدعوى! وما أصعبَه بالفعل! وعند الامتحان يُكرَمُ المرءُ أو يُهان!
وحتى تستقرَّ تلك الحقائق في القلب، وتظهر في واقع الناس، وتطبق وَفْقَ منهج الإسلام الحركي الواقعي، الذي يُواجِهُ حواجزَ النفس والإدراك والرؤية الخاطئة بوسائل فعَّالة يسهل تطبيقُها، وهذا أعظم
(1) قال الأصمعي:"هذا أبدع بيت قالته العرب".