فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 27

بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يونس: 7، 8] .

لأنها: حينما يغمر القلبَ حبُّها، لا يوجد فيه مكان لله واليوم الآخر، حتى تصبح أكبر الهم، ومبلغ العلم.

"إن القلب قد يغمره فيستولي عليه ما يريده العبد ويحبُّه، وما يخافه ويحذره كائنًا مَن كان؛ ولهذا قال تعالى: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون: 63] ، فهي فيما يغمرها عما أنذرت به، فيغمرها ذلك عن ذكر الله والدار الآخرة، وما فيها من النعيم والعذاب الأليم؛ قال الله تعالى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون: 54] ؛ أي: فيما يغمر قلوبهم من حبِّ المال والبنين، المانع لهم من المسارعة في الخيرات والأعمال الصالحة، وقال تعالى: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} [الذاريات: 10، 11] ؛ أي: ساهون عن أمر الآخرة، فهم في غمرة عنها؛ أي: فيما يغمر قلوبهم من حب الدنيا ومتاعها، ساهون عن أمر الآخرة وما خُلقوا له، وهذا يشبه قوله: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] ، فالغمرة تكون من اتباع الهوى، والسهو من جنس الغفلة؛ ولهذا قال مَن قال: السهو: الغفلة عن الشيء، وذَهاب القلب عنه، وهذا جِماع الشر: الغفلة، والشهوة؛ فالغفلة عن الله والدارِ الآخرة تسدُّ بابَ الخير الذي هو الذكر واليقظة، والشهوةُ تفتح بابَ الشرِّ والسهو والخوف؛ فيبقى القلب مغمورًا فيما يهواه ويخشاه، غافلًا عن الله، رائدًا غيرَ الله، ساهيًا عن ذكره، قد اشتغل بغير الله، قد انفرط أمرُه، قد ران حبُّ الدنيا على قلبه، كما روي في صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تَعِس عبد الدينار، تَعِس عبد الدرهم، تَعِس عبد القَطيفة، تَعِس عبد الخَميصة، تَعِس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، إن أُعطِيَ رضي، وإن مُنع سخط ) )، جعله عبدَ ما يرضيه وُجودُه، ويُسخطه فقدُه؛ حتى يكون عبد الدرهم، وعبد ما وصف في هذا الحديث، و"القطيفة"هي التي يجلس عليها، فهو خادمها، كما قال بعض السلف: الْبَسْ من الثياب ما يخدمُك، ولا تلبس منها ما تكن أنت تخدمُه، فما كان يرضي الإنسانَ حصوله، ويسخطه فقده، فهو عبده؛ إذ العبد يرضى باتصاله بهما، ويسخط لفقدهما، والمعبود الحق الذي لا إله إلا هو إذا عبده المؤمن وأحبَّه، حصل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت