النظران، آثر ما يقتضي العقلُ إيثاره، وزهد فيما يقتضي الزهد فيه، فكل أحد مطبوع على ألا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة، إلا إذا تبيَّن له فضلُ الآجل على العاجل، وقَوِيَتْ رغبته في الأعلى الأفضل، فإذا آثر الفاني الناقص، كان ذلك إما لعدم تبيُّن الفضل له، وإما لعدم رغبته في الأفضل" [1] ؛ قاله الإمام ابن القيم."
لأنها:"تدفع كلَّ من آثرها من أهل العلم واستحبَّها ولا بد أن يقول على الله غيرَ الحق في فتواه وحكمه في خبره وإلزامه؛ لأن أحكام الرب سبحانه كثيرًا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيما أهل الرياسة والذين يتَّبعون الشبهات؛ فإنهم لا تتمُّ لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرًا، فإذا كان العالم والحاكم محبَّيْنِ للرياسة متبعَيْنِ للشهوات، لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضادُّه من الحق، ولا سيما إذا قامت له شبهة، فتتفق الشبهة والشهوة، ويثور الهوى؛ فيخفى الصوابُ، وينطمس وجه الحق، وإن كان الحق ظاهرًا لا خفاء به ولا شبهة فيه، أقدم على مخالفته وقال: لي مَخْرج بالتوبة."
وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم: 59] ، وقال تعالى فيهم أيضًا: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169] ، فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العَرَض الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم، وقالوا: سيُغفَر لنا، وإن عَرَض لهم عَرَضٌ آخر أخَذوه، فهم مصرُّون على ذلك، وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحق، فيقولون: هذا حكمُه وشرعه ودينه، وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلاف ذلك، أو لا يعلمون أن ذلك دينُه وشرعه وحكمه، فتارة يقولون على الله ما لا يعلمون، وتارة يقولون عليه ما يعلمون بطلانَه" [2] ."
لأنها: سبب الشقاء والهلاك لمن رضي بها واطمأن إليها، وغفل عن تدبر آيات الله، ومُحالٌ أن يجتمع هذا في قلبِ مَن يرجو لقاء الله، فتأمل هذا - سلَّمك الله - فهذا الضرب هو الغالب على أهل الأرض على الرغم من آيات القرآن الكريم المحذِّرة منه، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا
(1) في الفوائد (ص: 94) .
(2) الفوائد (ص: 100) .