المتأمِّل للقرآن العظيم من أوله إلى آخره، يرى ما فيه من تحذير شديد من فتنة الدنيا، والزجر عنها، والترغيب في الآخرة والدعاء إليها، وبيان أن أعظم العوائق عن الله والقواطع دونه هي الدنيا الفتانة، والشيطان الموسوس المسوِّل؛ كقوله تعالى: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33] ، فنهى عِبادَه أن تغرَّهم الدنيا بزينتها وزخارفها وما فيها من الفتن والمِحن، أو يغرَّهم بالله الغرور؛ وهو الشيطان، ولما كان الله تعالى هو الخالقَ للقلوب والعليم بمداخلها، الخبير بما يَصلُح لها وما تَصلحُ به؛ أعلَمَ عبادَه بالدواء العاصم من كل غرور، وهو تقواه وخوفه، وتصور الآخرة، والحذر من الدنيا وزينتها.
لأنها: أضرُّ شيء على العبد إن هو استرسَلَ معها، واغترَّ بها، ولم يجتنب فضولَ المطعم والمشرب والملبس والنوم والخِلطة، فيقوى عنده داعي المعصية؛ قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:"إنما أخاف عليكم اثنتين: طول الأمل، واتباع الهوى؛ فإن طول الأمل ينسي الآخرة، وإن اتِّباع الهوى يَصدُّ عن الحق، وإن الدنيا قد ترحَّلت مُدبرةً، وإن الآخرةَ مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل" [1] .
لأنها: في عمومها ليست إلا لهوًا ولعبًا، فحينما تصبح أكبرَ الهمِّ، ومبلغَ العلم، والغاية العليا من الحياة، تكون الطامة الكبرى، وتحلُّ النقم.
النفس تطمع في الدنيا وقد علمتْ = أن السلامة منها ترك ما فيها
وقال الآخر:
فلا تَغُرَّنَّك الدنيا وزينتُها = وانظر إلى فعلها في الأهل والوطنِ
وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها = هل راحَ منها بغير الحنط والكفنِ
خذِ القناعةَ من دنياك وارضَ بها = لو لم يكن لك إلا راحةُ البدنِ
يا زارعَ الخير تحصدْ بعده ثمرًا = يا زارع الشر موقوفٌ على الوهنِ
يا نفسُ كفِّي عن العصيان واكتسبي = فعلًا جميلًا لعل الله يرحمني
يا نفس ويحك تُوبِي واعملي حسنًا = عسى تُجازين بعد الموت بالحسنِ
(1) مصنف ابن أبي شيبة (7/ 100) .