لأنها: ممرٌّ، والآخرة مقَر؛ فعلينا العملُ للآخرة، وتحقيق النفع لدنيانا، وأن نحسن عمارتَها وقيادتها، منطلقين من قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13] ، وقوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [الملك: 15] ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحثُّ على النفع العام فيقول: (( ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة ) ) [1] ، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن قامت على أحدكم القيامةُ، وفي يده فسيلة فليَغْرِسْها ) ) [2] .
ونحن اليوم قد تأخَّرنا عن غيرنا في العلم والعمل والإنتاج، وفرَّطنا في اغتنام الأوقات، والجد في الأعمال، وقد كان حريًّا بنا ألا نضيع الأوقات، أو نقصر في العمل، أو نقلل من الإنتاج.
والشارع الحكيم إنما أباح الاستمتاع بها بقدر الحاجة، والترفيه واللهو بغير أن يشغل عن واجبات شرعية بتضييعها أو تأخيرها، ولا يستغرق أوقاتًا طويلة تضيع سدًى دون فائدة، ولا تتخذ ديدنًا وعادة يفرغ لها وقت دائم ومنتظم.
لأنها: حُكِمَ عليها بالفناء، وعدم البقاء، وأنها متاعُ الغرور؛ تَفتن بزُخْرفِها، وتَخدَع بغرورها، وتغرُّ بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي تُوفَّى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار، من خير وشر؛ قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185] ، فمن أُخرج عن النار وأُدخل الجنة، فقد فاز وربِّ الكعبة الفوزَ العظيم من العذاب الأليم، والوصول إلى جنات النعيم، التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
لا تأسفَنَّ على الدنيا وما فيها = فالموتُ لا شكَّ يُفنينا ويفنيها
ومَن يكن همُّه الدنيا ليجمَعَها = فسوف يومًا على رغمٍ يُخلِّيها
لا تَشبَعُ النَّفسُ من دنيا تجمِّعها = وبُلْغةٌ من قِوامِ العيش تَكْفِيها
اعملْ لدار البقا رضوانُ خازنُها = والجار أحمد والرحمن بانيها
أرضٌ لها ذهبٌ والمِسْكُ طِينتُها = والزَّعْفرانُ حَشيشٌ نابتٌ فيها
(1) البخاري (2320) ، ومسلم (1553) .
(2) أحمد (12902) .