فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 27

الفصل الثاني

لماذا التحذير من الدنيا؟

على الرغم من أن الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، ولا يتم الدِّين إلا بها، والحصاد يوم القيامة عليها، فإن الشارع الحكيم حذَّرنا منها، كما قال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] ، وقال: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} [الرعد: 26] ، وقال: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 45، 46] ، وقال: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [القصص: 60] ، وقال: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا.

إذًا، لماذا كلُّ هذا التحذير من الدنيا؟!

لأنها حينما تصبح غايةً عليا للإنسان، ويكون همُّه إشباعَ شهواتها، والانغماسَ في ملذَّاتها، فإن النفس تنصَرِفُ عن معالي الأمور، ومراتب الكمال، وغايات الجلال، إلى أراذل الأعمال وسفاسِفها، ومن ثَمَّ يستوحشُ صاحبُها من الآخرة، وينفرُ عن الموت نفورًا زائدًا؛ لأنه لا يرى بعدَه إلا الشقاء والبؤس، وشيئًا فشيئًا ينسى الغايةَ التي خُلق من أجلِها، ويُحجب قلبه عن ربِّه، ويُحبس عن السير إليه، بعدما يمتلك حبُّها قلبَه؛ فيعطل أمر الله ونهيه؛ لأن الجهل بحقيقة الدنيا والاغترار بها تجعل الإنسان يظن أنه ليس وراءها غاية أكرم وأبقى من مُعايشة لذات مقطوعةٍ عن منهج الله تعالى؛ الذي جعل الدنيا بما فيها مزرعةً للآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت