ادعاء الالتزام بالثوابت، وزعم التشبث بالمبادئ. وبمراجعة تاريخية لتصرفات هذه التيارات على مدى ثلاثين عاما، يلاحظ مدى الاستهانة بهذه الحسابات والتوازنات بحجة الابتعاد عن البراجماتية. (21)
ولذلك ترى تصرفات هذه التيارات تدفع المحايد دفعا للاصطفاف مع خصوم الجهاديين، كما تحرمهم من فرصة التضليل واللعب بالتوازنات. ولنفس السبب تخسر هذه التيارات الدعم الجماهيري والحاضنة الاجتماعية والتعاطف من داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية. (22)
ثغرات الرسالة الإعلامية
لا يقصد بالإعلام الجانب الفني ومهارة الإخراج والانتاج الذي تتقنه كثير من الجماعات، بل يقصد به هدف ومحتوى الرسالة الموجهة وطبيعة التعامل إعلاميا مع التساؤلات والتطلعات الجماهيرية والعالمية. ولا يمكن لهذه الرسالة أن تكون مؤدية للغرض إلا بانطلاقها مما ذكر أعلاه، أي (الخطة الشاملة المبنية على رؤية استراتيجية) وهو ما تفتقر له كثير من الجماعات الجهادية.
وبعد انتشار وسائط الاتصال لم يعد انضباط الرسالة وردود الأفعال مقتصرا على القيادات والمندوبين، بل أصبح كل المحسوبين على التيارات مهمّين في الجانب الإعلامي. هذا الواقع الجديد أربك الصورة حين كثرت النوافذ الإعلامية التي تدّعي تمثيل تيار معين وهي تتحدث بلا انضباط ولا منهجية. ولا تُعذر التيارات الجهادية بأن ليس لها سلطة على"من هب ودب"، لأن رسالتها العامة لو كانت منضبطة لما استطاع"من هب ودب"أن يتحدث باسمها وينسب لها هذه المواقف. (23)
من جهة أخرى تتذرع بعض هذه التيارات بأنها مستهدفة بالتضليل والتشويه من قبل الخصوم المقتدرين المسلحين بإمكاناتهم الهائلة، والتعاون العالمي، والنشاط الاستخباراتي، وكثرة العملاء في وسائط الاتصال الخ. لكن عذرهم هذا مرفوض، فلولا وجود ثغرات في الرسالة الإعلامية لبعض هذه التيارات، لما تمكن الخصوم"المقتدرين"من تشويههم ولا استطاعوا نسبة ما لا يمكن أن ينسب إليهم.