بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، هدى للناس ورحمة، وبينات من الهدى والفرقان. وأمره بإبلاغه للعالمين، والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على عبده وخاتم رسله المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين إلى يوم الدين."وبعد": فقد اقتضت رحمة الله تعالى بعباده إرسال الرسل دعاة إلى الحق والهدى والعلم والنور، مبشرين ومنذرين. وإنزال الكتب تبيانًا لكل شيء وإحقاقًا للحق وإزهاقًا للباطل، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها. والله تعالى بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير.
وكل ذلك لئلا يكون للناس على الله حجة بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب، وقد ختم الله رسالاته بأفضل البشر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أرسله مبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وأنزل إليه كتابًا عربيًّا مبينًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وجعله تفصيلًا لكل شيء، وتبيانًا للحق وهدى ورحمة للعالمين، وحجة وبرهانًا على الجاحدين، وأمره بإبلاغه للناس كافة، فبلغه كلمة كلمة، وآية آية، وسورة سورة، حتى بلغت سوره مائة وأربع عشرة سورة، وآياته ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، منها المكي والمدني، وأمر بكتابة كل ما أنزل إليه، فكتب الجميع بأمره في عهده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثم كتبت المصاحف كلها طبق ذلك، وبعث الخليفه الثالث عثمان بن عفان بالمصاحف إلى أقطار الإسلام، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، للحفظ والتلاوة كما كانا في العهد النبوي الشريف. فكان القرآن فيها