الصفحة 84 من 114

قلت: صحيح أن المسافر باق على سفره حقيقة، وحكمًا حتى يقطعه، والخلاف مع الشيخ إنما هو في الشيء الذي ينقطع به السفر، فهو يرى أنه لا ينقطع إلا بالاستيطان، أو الإقامة المطلقة، أما الجمهور فيرون أن قصد الإقامة تقطع السفر، ثم اختلفوا في عدد أيامها مع اتفاقهم على شرطها.

وبالرجوع إلى كتاب الله ظهر لنا أن القصر مربوط بالضرب، فمتى انقطع الضرب وجب الإتمام، وهذا المفهوم قد نطقت به آية: { فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } إذ المراد بالاطمئنان: سكون البدن من الضرب، والقلب من الخوف فلم يرد في الدلالتين ذكر للاستيطان أو الإقامة المطلقة.

فعلى هذا فلا أرى صحة اشتراط أحدهما لما في ذلك من المخالفة للآيتين. ثم بعد الرجوع إلى لسان العرب تبين أنه لا فرق بين الاستيطان والإقامة المطلقة، قال في اللسان: الوطن المنزل تقيم به، وهو موطن الإنسان ومحله (1) .

فمن نوى الإقامة المطلقة فقد اتخذ المكان وطنًا، أما من نوى الإقامة ثم السفر بعدها، فهو المقيم غير المستوطن.

وإنه يلزم من جعل الاستيطان هو القاطع للسفر وحده، أن يقول بمشروعية القصر للبدو في حال مشتاهم ومصيفهم، لأنهم لا يشتون إلا بنية الرحيل في الصيف، ولا يصيفون إلا بنية الرحيل في الشتاء، فثبت أن الاستيطان عندهم غير وارد مدى الحياة. وقد أجمع أهل العلم على وجوب الإتمام في حال إقامتهم شتاء وصيفًا، لانقطاع سفرهم بالإقامة المؤقتة، وعدم وجوب الجمعة لعدم قصد الاستيطان. والله أعلم.

رابعًا: قال - وفقه الله:

الدليل الثاني من السنة ما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس -= - رضي الله عنه - 0 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة تسعة عشر يوما يصلى ركعتين، وفيه عن ابن عباس أيضا قال: صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا بلغ الكديد الماء الذي بين قديد وعسفان أفطر فلم يزل مفطرا حتى انسلخ الشهر.

(1) لسان العرب، مادة: وطن. 13/451.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت