الصفحة 83 من 114

إلا أن شيخنا ذهب يستدل بالسنة والعرف على ضعف ما نسبه إلى الجمهور، ولكنه لمن يستدل بالإجماع، لأن الإجماع لا ينعقد مع مخالفة الجمهور له، فظهر بهذا الاختلاف بني قول شيخ الإسلام، وبين قول شيخنا.

ثم لا نسلم له احتجاجه بالسنة لأن إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام الفتح وبتبوك غير مقصودة بل دعت إليها متطلبات الجهاد والغزو، بخلاف الإقامة بمكة عام حجة الوداع، فهي مقصودة حيث وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل موعد الرحيل إلى منى، فإذا اختلفت الإقامات أمتنعت التسوية.

ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة عشرة أيام غير متواصلة، بل لم يقم إقامة متواصلة إلا ثلاثة أيام أو أربعة أيام، لأنه رحل هو وأهل مكة إلى منى وعرفات ومزدلفة فقصر وقصر أهل مكة معه، فهذا بالنسبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولمن قدم معه إلى مكة، يعتبر سفرًا. أما بالنسبة لأهل مكة فقيل لأجل النسك وقيل لأجل السفر.

وكذا لا نسلم له بصحة احتجاجه بالعرف، لأن قول الناس لمن حج ولو في أول أشهر الحج بأنه مسافر، لأن هذا باعتبار ما كان. لا وصفا لحاله وقت قولهم هذا، لعدم معرفتهم بحاله إذ قد يكون ميتًا، أو مستوطنًا أو هو ما زال مواصلًا للسفر أو قصد الإقامة.

فظهر أن قولهم هذا لا تتعلق به أحكامه، وكذا من سافر من أجل الدراسة، لأن الأحكام إنما تتعلق بالحقائق لا بالمجاز.

والعرف المؤثر في هذا هو عرف من يقيم بينهم، لأنه وصف متعلق به حقيقة، لا مجازًا، ونحن ندرك أن الناس يرون من أقام معهم من الغرباء، بأنهم يعتبرونه مقيمًا غريبًا لا مسافرًا غريبًا، ما لم ينشئ سفرًا جديدًا.

والعرب تفرق في لغتها، بين الغائب والمسافر والغريب والمقيم. ولكل وصف من هذه الأوصاف طريقة في الاستعمال، فينبغي التدقيق في تفسير هذه الكلمات. والله الموفق.

قال: ,على هذا فالأصل أن المسافر باق على سفره حقيقة وحكمًا حتى يقطعه باستيطان أو إقامة مطلقة.أ.هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت