أما قوله: إن وجه احتجاجهم به قولهم: إن مجرد الإقامة ينقطع بها السفر خولف في الأيام الأربعة، لورود النص به، فبقي ما زاد على ذلك على الأصل، وهو انقطاع السفر، وهذه دعوى ممنوعة شرعًا وعرفًان قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الدليل مبني على أنه من قدم المصر فقد خرج عن حد السفر، وهو ممنوع بل هو مخالف للنص والإجماع والعرف.أ.هـ.
ثم ذهب يوضح وجه المخالفة للنص والعرف.
قلت: لا نسلم أن مذهب الجمهور هو: أن مجرد الإقامة ينقطع بها السفر، لأن الإقامة متنوعة، فمنها ما ينقطع بها السفر، وهي الإقامة التي عزم عليها فاعلها، إما بقصد الرحيل بعد مضى أكثر من أربعة أيام أو بقصد الاستيطان، ومنها ما لا ينقطع بها السفر، كالإقامة المكره عليها فاعلها، كمن حبسه الثلج، أو التي لم يقصدها فاعلها بل دعت الظروف التي سافر من أجلها كإقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح وبتبوك.
وكذا لا نسلم بأن مذهب الجمهور مبني على أن من قدم المصر فقد خرج عن حد السفر، لأن مجرد القدوم ليس بإقامة، ثم إن الجمهور لا يفرقون بين حصول الإقامة من البدوي ساكن الصحاري، أومن الحضرى ساكن القرى والأمصار، فمن قصد إقامة أكثر من أربعة أيام فقد انقطع سفره بغض النظر عن مكان إقامته.
ومما ينبغي ملاحظته أن الشيخ اعتبر أن مذهب المحددين هو انقطاع السفر بمجرد الإقامة أما ابن تيمية فذكر أن مذهب بعضهم هو: انقطاع السفر بقدوم المصر، فعلى هذا فلا يصح الاستشهاد بقول ابن تيمية لصحة قول الشيخ هذا لما بين الرأيين من الاختلاف.
ثم إن شيخ الإسلام استدل على بطلان ما ذكره لمخالفته النص والإجماع والعرف، وقوله هذا صحيح، إذ لا يصح أن يكون مجرد القدوم إلى المصر مانعًا من القصر لإجماع الأمة على أن مجرد الوصول إلى الأمصار ليس مانعًا من القصر، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد وصل إلى مكة فلم ينقطع سفره، ولم يمتنع عن القصر.