، فإن المفتي يقولك هذا حكمي في المسألة، لأنه لا يدري هل أصاب حكم الله فيها، أم لا، ولذا فينبغي الاجتهاد لمعرفة حكم الله فيمن أقام بمكة ينتظر الحج هل له القصر أم لا.
وإنني أقول في هذا: إن الله تعالى شرع القصر للضارب في الأرض دون غيره، فيجب أن يقصر هذا الحكم على من كان ضاربًا، أما من كان مقيمًا فيجب عليه الإتمام لزوال وصف الضرب عنه، واتصافه بكونه مقيمًا.
وعلى هذا فإن من عزم على إقامة أكثر من أربعة أيام فإنه داخل في حكم المقيم لا الضارب، فيجب عليه الإتمام ما لم يرد دليل يخصه. أما من عزم على إقامة أربعة أيام فأقل، فإنه ملحق في حكم الضارب ومخصوص من حكم المقيم لثبوت فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، وهذا يشمل من قدم مكة في أشهر الحج ينتظر الموسم.
فظهر بهذا أنه لا يصح الاحتجاج بعدم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأمة: من قدم مكة للحج قبل اليوم الرابع من ذي الحجة فعليه الإتمام، لأن الأصل فيمن أقام أنه يتم، فلا يصح أن يترك هذا الأصل لعدم ورود دليل من السنة يدل عليه، بل الواجب العمل به حتى يرد ما يخصصه.
أما قوله: لو كان هذا حكم الله تعالى في خلقه لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - لوجوب البلاغ عليه، ودعاء الحاجة إلى بيانه، والقول بأن هذا حكم الله تعالى مع سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيانه الموجود مقتضيه قول فيه نظر لا يخفى..
قلت: هذا القول فيه نظر، لأن البيان عن أحكام الله ليس محصورًا في أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل إن أدلة الشرع متعددة من الكتاب والسنة والقياس والإجماع، ثم إن الدلالات متعددة أيضًا فدلالة المنطوق والمفهوم والقول والفعل والتقرير، وغيرها، فلا يصح أ، يحصر البيان بأقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يقال عما سكت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس عليه دليل بل لا بد من استقصاء الأدلة كلها. والله الموفق.