فإذا كان الله تعالى قد أباح القصر للضاربين في الأرض ومنهم المجاهدون والتجار، وهو سبحانه يعلم أن منهم من يبقى أيامًا وشهورًا للقتال والحصار وبيع السلع وشرائها كما هو الواقع، ولم يستثن الله عز وجل ضاربًا من ضارب ولا حالا من حال.
إذا كان الأمر كذلك علم أن الحكم لا يختلف من ضارب إلى ضارب، ولا في حال دون حال، ولو كان ثمة ضارب أوحال تخرج من هذا الحكم لبينه الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله، لأن الله تعالى أوجب بفضله على نفسه البيان، فقال تعالى: { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى } وقال: { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } . وبيانه شامل لبيان لفظه، وبيان معناه وحكمه.
ولو كان ثمة ضارب أو حال تختلف عن هذا الحكم لكان حكمها المخالف من شرع الله تعالى، وإذا كان من شرعه فلا بد أن يحفظ، وينقل إلينا كما قال الله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } وهو شامل لحفظ لفظه، وما يتضمنه من الأحكام، فلما لم يحفظ في ذلك حكم مخالف، ولم ينقل، علم أنه لا وجود له.
وهذه القاعدة تنفعك في هذه المسألة وغيرها، وهي أن كل نص جاء مطلقًا أو عامًا، فإنه يجب ابقاؤه على إطلاقه، وعمومه حتى يقوم دليل على تقييده وتخصيصه لقوله تعالى: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء } فلو كان مقيدًا أو مخصصًا لما ورد مطلقًا أو عامًا لبينه الله تعالى.أ.هـ (1) .
تعقيب:
صحيح ما ذكره الشيخ من أن هذه الآية عامة في عموم الضارب، فهي تدل على أن لكل ضارب القصر من الصلاة في السفر، سواء كان سفره سفر معصية أم سفر طاعة، وسواء كان سفر سفرًا مباحًا أم واجبًا، وعلى من خص ضاربًا دون ضارب الدليل.
كما أنه صحيح ما ذكره من أن الأصل في الأدلة المطلقة، والعامة أن تبقى على عمومها، وإطلاقها ما لم يرد دليل على التخصيص أو التقييد.
(1) ص4 من رسالته المخطوطة.