ثم إنه صحيح أيضًا كل ما ذكره الشيخ من حفظ الشريعة، وكمال بيانها، إلا أنني أخالفه، في إدخاله في عموم الآية حالة من أقام لغرض معين مقيدًا ذلك بزمن معين، ومتى انتهى غرضه عاد إلى وطنه، ولو نوى مدة طويلة، ربما تصل إلى سنوات.
ووجه المخالفة أنه جعل هذه الإقامة من أنواع السفر الذي دل عليه عموم الآية، ثم طلب الدليل على من ادعى إخراج هذا النوع من أنواع الضارب الذي ورد ذكره في الآية.
ثم استدل على ذلك - وفقه الله - بما تقرر من كمال الشريعة، وكمال حفظها، إذ لو كان هناك ضارب مخصوص لحفظ دليله.
وفي المقابل أقول: على من قال بهذا أن يأتي بدليل يدل على أن من نوى الإقامة مدة معينة لغرض معين يسمى ضاربًا، ومسافرًان لأن الإقامة خلاف السفر، فالآية تدل على جواز القصر للضارب دون غيره، وغره المقيم، فهي دليل يرد بها على هذه الدعوى، ولا يصح عقلًا أن يستدل بدليل على أمر مختلف فيه مع أن الدليل على خلاف ما استدل به عليه.
ووجه ذلك: أن الله تعالى علق حكم القصر في الآية على الضارب، دون المقيم، والمقيم نقيض الضارب كما قال الله تعالى: { يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُم } فلا يصح إذا أن تكون الآية دليلًا على أمرين متناقضين، وهما القصر حال الضرب، والقصر لمن توقف ضربه وصار مقيمًا.
قال ابن حزم - رحمه الله - أما الإقامة في الجهاد والحج والعمرة، فإن الله تعالى لم يجعل القصر إلا معا لضرب في الأرض، ولم يجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القصر إلا مع السفر لا مع الإقامة، وأن السفر إنما هو التنقل في غير دار الإقامة، وأن الإقامة هي السكون وترك النقلة، والتنقل في دار الإقامة. هذا حكم الشريعة والطبيعة معا (1) .
(1) المحلى 5/24.