وعلى هذا فلا تصح التسوية بين هذه الإقامة، وإقامته - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح وبتبوك، لأن هذه الإقامة مقصودة، وتلك غير مقصودة اقتضتها متطلبات الجهاد.والله أعلم.
وعلى ضوء ما سبق اتضح لنا أن الاستدلال بهذه الأحاديث على ما قعده الشيخ غير مسلم له، لأن من قصد الإقامة مدة معينة لغرض معين كطلاب المنح الدراسية، والعمالة التي تأتي بعقود سنوية، قد قصدوا بسفرهم من بلادهم إقامة مدة معينة للعمل، وهذا مخالف لحال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خصوصا في إقامتي فتح مكة وغزوة تبوك. أما إقامته - صلى الله عليه وسلم - عام حجة الوداع فسيأتي لها مزيد بحث إن شاء الله.
الحالة الثانية:
من كان مسافرً ثم في أثناء سفره أكره على الإقامة، كأن ينقطع به السبيل: إما بحصار عدو، أو ثلج أو سيل أو مرض، أو ضياع نفقة، أو حبس سلطان كما حصل لابن عمر - - رضي الله عنه - - في أذربيجان حينما حاصره الثلج، فمنعه من السفر، وهكذا كانت حال كثير من السلف الذين يتخلفون في الأمصار، لانقطاع السبيل بهم، فقد تخرصوا بخرص السفر. لا لأنهم نووا الإقامة، ولكن لكونهم أكرهوا عليها.
ولا يصح أن يكون ما حصل لابن عمر - - رضي الله عنه - - بأذربيجان من الحالة الثالثة التي ذكرها لشيخ. لأن تلك الحالة فيمن نوى بسفره أن يقيم مدة محددة لغرض محدد، وابن عمر - - رضي الله عنه - - لم يسافر لمجد الإقامة بأذربيجان حال نزول الثلج، ثم ليس له غرض في هذه الإقامة، حتى يصح أن يقال بأنه أقام لغرض معين، بل قد أكره على ذلك.