وعلى هذا فلا يصح ما قاله الشيخ من أن إقامته - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام الفتح وبتبوك داخله في الحالة الثالثة من الحالات التي ذكرها، لأن تلك الحالة خاصة بمن سافر ليقيم لغرض معين مقيدة بزمن معين. وهو لم يقم دليلًا على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد بسفره هذا أن يقيم بتبوك زمنًا معينًا لغرض معين، وكذا في فتح مكة، ولا أظن أن لديه دليلًا على ذلك، لأن القصد من أعمال القلوب، وإثبات ذلك يحتاج إلى ثبوت التصريح به من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأين الدليل على أنه - صلى الله عليه وسلم - قصد حينما أقام بتبوك أن يبقى عشرين يومًا، وعلى من ادعى ذلك أن يأتي بالإسناد الصالح للاحتجاج، ومع هذا فإن المعروف عن غزوة تبوك أنها جاءت في وقت الشدة حتى سمى جيشها جيش العسرة، وكانت امتحانًا للمؤمنين، حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوربها، ولو علم الناس أنها سفر من أجل الإقامة لغرض معين مقيدة بزمن معين مقيدة بزمن معين لم يتخلف أحد فيما أظن، ولكن الأمر خلاف ذلك بل هيا لحرب ضد الروم، إلا أن ظروف هذه الغزوة جاءت هكذا، فلا يصح إذًا أن نقول سافر ليقيم، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - سافر ليجاهد، فكان من الأعمال الجهادية الإقامة بتلك الأصقاع.
أما إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة عام حجة الوداع، فليست أيضًا كما قال الشيخ: إقامة لغرض معين مفي زمن معين. بل هي إٌامة بين سفرين، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة بقي - صلى الله عليه وسلم - حتى ضحى الثامن، ثم ارتحل إلى منى ليقضي مناسك الحج، فهو في هذه المدة ليس له من عمل إلا انتظار أيام حج مع أخذ الراحة بعد مشقة السفر، وليلحق به بقية أصحابه.