ثم إن مذهب ابن تيمية لم يوافق ظاهر النصوص، كما أن أفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تدل عليه، ولو كان الأمر كذلك لكان أهل الظاهر هم أول من قال به، لما علم من شدة تمسكهم بالظاهر حتى نسبوا إليه، والواقع أن مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية هو نتيجة لما توصل إليه بعد محاولة فهم الأدلة الواردة في هذا، وبعد محاولة التوفيق بينها.ومن الطبيعي أن تتباين الأفهام وتختلف فيما يمكن الوصول إليه من نتائج، وأقوال راجحة، وقد جاء قول ابن تيمية واحدًا من الأقوال في هذا، لا أنه ه والذي دل عليه ظاهر النصوص كما سيظهر لنا فيما بعد إن شاء الله. والله أعلم.
وبعد هذا فإليك مناقشة كلام الشيخ وفقه الله. حسب الترتيب التالي:
أولًا: قال - حفظه الله - للمغتربين عن أوطانهم ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن ينووا الإقامة المطلقة في بلاد الغربة كالعمال المقيمين للعمل، والتجار المقيمين للتجارة وسفراء الدول، ونحوهم ممن عزموا على الإقامة إلا لسبب يقتضى نزوحهم إلى أوطانهم فهؤلاء في حكم المستوطنين في وجوب الصوم عليهم، وإتمام الصلاة الرباعية، والاقتصار على يوم وليلة في المسح على الخفين.
الحالة الثانية: أن ينووا إقامة لغرض معين غير مقيدة بزمن، فمتى انتهى غرضهم عادوا إلى أوطانهم كالتجار القادمين لبيع السلع أو شرائها أو القادمين لمهمات تتعلق بأعمالهم الرسمية أو لمراجعة دوائر حكومية، ونحوهم ممن عزموا على العودة إلى أوطانهم بمجرد انتهاء غرضهم فهؤلاء في حكم المسافرين، وإن طالت مدة انتظارهم، فلهم الترخص برخص السفر من الفطر في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية، ومسح الخفين ثلاث أيام، وغير ذلك ولو بقوا سنوات عديدة هذا قول جمهور العلماء بل حكاه ابن المنذر إجماعًا.