فيقال: من أين لكم هذا الشرط،والنبي لما أقام زيادة على أربعة أيام يقصر الصلاة بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئًان ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ويتأسون به في قصرها في مدة إقامته،فلم يقل لهم حرفًا واحدًا: لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال،وبيان هذا من أهم المهمات.
وكذلك اقتداء الصحابة بعده، ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئًا من ذلك (1) .
تحريم مذهب ابن القيم:
إن قوله في أول كلامه السابق: ولكن اتفق إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن، ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع.أ.هـ.
إن هذا القول يحدد لنا مذهبه - رحمه الله - فيمن سافر وأقام، فهوى يرى أن من كانت إقامته غير مقصودة بل دعت إليها الظروف التي سافر من أجلها أو كانت إلى غير إرادته كحبس سلطان، أو حصار عدو، فإنه يقصر، ولو كان يظن أنها تزيد على أربعة أيام، لأنه لم يخرج بهذه الإقامة عن حد السفر، ويرى أن هذا هو ما دل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح، وفي غزوة تبوك.
لأن إقامته - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام الفتح وبتبوك غير مقصودة ولا مرادة. بل اقتضتها مصلحة الجهاد والفتح، ولذلك فهي في حكم السفر أما من عزم على الإقامة أو استوطن فإنه يتم صلاته، لأنه انقطع سفره.
والعزم في اللغة: إرادة الفعل، وقيل: ما عقد عليه قلبك من أمر أنك فاعله (2) .
وعلى هذا فالمراد بالعزم على الإقامة: أن يختارها بمحض إرادته، لا أن تفرضها عليه الظروف المحيطة به، فإن هذا لا يسمى عازمًا عليها،بل ملزم بها، لأنها جاءت على خلاف إرادته، وهذا النوع من الإقامة لا تقطع حكم السفر، بخلاف ما كان عازمًا عليها.
(1) زاد المعاد 3/15.
(2) لسان العرب مادة عزم 12/399.