أما من أقام، وهو غير عازم على الإقامة فهو في حكم المسافر، سواء رأى أن عمله ينقضى في أربعة أيام أم أكثر، واعتبر هذا هو مدلول إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - أثناء سفره، وكذا يرى أنه مدلول ما روى عن الصحابة - - رضي الله عنه - - حينما قصروا في إقامتهم خارج بلادهم، وقد رد على من خالف في هذا فقال رحمه الله: قال الإمام أحمد: إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم، وإن نوى دونها قصر، وحمل هذه الآثار على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأصحابه لم يجمعوا الإقامة البتة، بل كانوا يقولون اليوم نخرج غدًا نخرج، وفي هذا نظر لا يخفى فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة، وهي ما هي، وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام، ويهدم قواعد الشرك،ويمهد أمر ما حولها من العرب، ومعلوم قطعًا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتى في يوم واحد،ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك، فإنه أقام ينتظر العدو، ومن المعلوم قطعًا أنه كان بينه، وبينهم عدة مراحل يحتاج إلى أيام، وهو يعلم أنهم لا يوافون في أربعة أيام.
وكذلك إقامة ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة من أجل الثلج، ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلل، ويذوب في أربعة أيام بحيث تننفتح الطرق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر، وإقامة الصحابة برام هرمز سبعة أشهر يقصرون، ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد يعلم أنه لا ينقضى في أربعة أيام.
وقد قال أصحاب أحمد أنه لو أقام الجهاد عدو، أو حبس سلطان، أو مرض قصر سواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أم طويلة. وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطًا لا دليل عليه من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا عمل الصحابة، فقالوا: شرط ذلك احتمال انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر، وهي مادون الأربعة الأيام.