الصفحة 57 من 114

سادسًا: قال - رحمه الله - ومنهم من بنى ذلك على أن الأصل في كل من قدم المصر أن يكون مقيمًا يتم الصلاة، لكن ثبتت الأربعة بإقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجته، فإنه أقامها وقصر، وقالوا في غزوة الفتح وتبوك أنه لم يعزم على إقامة مدة، لأنه كان يريد عام الفتح غزو حنين.

وهذا الدليل مبني على أن كل من قدم المصر فقد خرج عن حد السفر، وهو ممنوع، بل هو مخالف للنص والإجماع والعرف.

فإن التاجر الذي يقدم ليشتري سلعة أو يبيعها ويذهب، هو مسافر عند الناس، وقد يشتري السلعة، ويبيعها في عدة أيام، ولا يحد الناس في ذلك حدًا (1) .

تعقيب:

قلت: إن مذهب الجمهور التفصيل فيمن قد المصر، فإن أراد الإقامة، ولو مدة معينة عل خلاف بينهم في تحديدها، فإنهم يعتبرونه مقيمًا، أما إن لم يقصد مدة بعينها، بل لقضاء عمل معين، فإنهم يعدونه مسافرًا، ويستدلون على هذا بإقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام الفتح، وتبوك.

ومذهبهم هذا ليس محصورًا فيمن قدم مصرًا من الأمصار، بل إن البدوي داخل في ذلك أيضا، وكذلك الحضري، إذ الحكم يتعلق بقصد الإقامة مع مباشرتها، ولو كان البادية، فإنه داخل في ذلك أيضًا.

والجمهور هم الذي يحتجون بإقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام حجة الوداع. وعلى هذا فليس مذهبهم مخالفًا للنص والإجماع والعرف.

أما عدم مخالفتهم للنص، فأن مذهبهم حصيلة التوفيق بين الأدلة من الكتاب والسنة، ثم أي إجماع يعتبر منعقدًا إذا كان الجمهور قد خالفوه. أما مخالف العرف فلا يصح، لأن الناس يعتبرون من عاش بينهم غريبًا، ولا يعدونه مسافرًا، لزوال شروط السفر الظاهرة، كالضرب في الأرض، وحمل المزاد، أما الشروط الباطنة، فمردها إليه، فإن قصد الإقامة انقطع سفره لتوافق الظاهر والباطن وإن لم يقصدها بل قصد قضاء الهمة التي سافر من أجلها فهو ملحق بالسفر لبقاء نيته، وهذا عين مذهب الجمهور. والله أعلم.

(1) الفتاوى 24/140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت