قلت: إن كان يقصد - رحمه الله - بقوله هذا أن مجرد نية إقامة عدد معين من الأيام، وكذا مجرد نية سفر عدد من الأيام بلا مباشرة الفعل، فصحيح، إذ أن من نوى السفر، أو نوى الإقامة فإن هذا لا يجعله مقيمًا ولا مسافرًا، ما لم يباشر ذلك.
أما إن كان قصده، عدم انقطاع السفر بإقامة عدد معين من الأيام، فلا نسلم له، لأن المقيم تنقطع إقامته بسفر عدد معين من الأيام، وكذا السفر فإنه ينقطع بإقامة عدد معين من الأيام، لأن السفر من عمل القلوب والأبدان، فمن قطع النية، توقف عن السفر بإقامة فصل الشتاء، أو فصل الصيف كالبدو فإن سفرهم ينقطع حتى عند شيخ الإسلام - رحمه الله - كما مره، وهم في الواقع قصدوا إقامة عدد معين من الأيام قد تطول، وقد تقصر.
ثم إن الله تعالى قد أضاف اليوم إلى الظعن، كما أضافه إلى الإقامة، فمن سافر يومًا فقد صار مسافرًا، ومن أقام يومًا فقد صار مقيمًا، وكذا من زاد في أيام سفره، وأيام إقامته. هذا هو مقتضى كلامه السابق - رحمه الله - والله أعلم.
إن حديث نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - المهاجر أن يقيم أكثر من ثلاثة أيام من أدلة الجمهور على انقطاع السفر بعدد معين من الأيام.
وأرى أن وجه الدلالة، هو في تسوية النبي - صلى الله عليه وسلم - في النهي بين ما زاد على ثلاثة أيام، وبين الاستيطان، حيث ورد النهي عما فوق الثلاثة، وهذا يشمل الاستيطان لأنه قصد المكث بمكة إلى ما لا نهاية له، وهو ممنوع منه المهاجر من باب أولى.
أما الثلاثة فما دون فقد اعتبر الشارع المقيم فيها مقيمًا، ولذلك سماه به إلا أنه أعطاه حكم المسافر من حيث جواز الإقامة بمكة، فالمهاجر إذا مر بها وهو مسافر أو مر بها، ونوى الإقامة ثالثة فما دون فحكمه واحد.
فهذا دليل على أن إقامة هذا العدد من الأيام لا يخرج بالمهاجر عن حكم المسافر، فإذا صح هذا، فإنه: يجوز لمن قصد إقامة هذه المدة الترخص برخص السفر. والله أعلم.