خامسًا: قال - رحمه الله - ولو كان هذا حدًا فاصلًا بين المقيم والمسافر لبينه للمسلمين كما قال الله تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُون } .
والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس هو أمرًا معلومًا لا بشرع ولا لغة ولا عرف.
وقد رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا، والقصر في هذه جائز عند الجماعة، وقد سماه إقامة، ورخص للمهاجر أن يقيمها، فلو أراد المهاجر أن يقيم أكثر من ذلك بعد قضاء النسك لم يكن له ذلك.
وليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرق بين المسافر والمقيم بل المهاجر ممنوع أن يقيم بمكة أكثر من ثلاث بعد قضاء المناسك (1) .
تعقيب:
في هذا الكلام نظر للأمور التالية:
لقد بين الله تعالى: الحد الفاصل بين المقيم والمسافر في كتابه، وذلك من خلال قوله تعالى: { يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُم } فمن ظعن في يوم فهو ظاعن، ومن أقام في يوم فهو مقيم، ومن المعلوم أن من أقام أو ظعن في أكثر من ذلك فهو أولى بأن يسمى مقيمًا أو ظاعنًا.
إلا أن السنة أدخلت بعض أحوال المقيم في حكم المسافر فعلينا أن نقتصر على ما خصصته السنة، ونبقي ماعداه تحت حكم أصله.
كما أن هناك وجها آخر من البيان. وذلك أن الله تعالى علق القصر والفطر بالسفر، فمن لم يكن مسافرًا فهو مقيم، والخطاب بلغة العرب، فالمخاطبون قد بان لهم الأمر، لتفريقهم من حيث اللغة بين المقيم والمسافر، فلا يصح أن يقال بأن مثل هذا لم يرد فيه البيان. والله أعلم.
قوله: والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة..إلخ.
(1) الفتاوى 24/138.