كما أن الزيادة على ثلاثة أيام لا تشملها دلالة قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح وفي غزوة تبوك للاختلاف بين الإقامتين كما سبق، وبهذا صارت هذه الزيادة عارية عن الدليل الدال على جواز القصر فيها م السنة الفعلية، فالواجب والحالة هذه أن تبقى ضمن حكم الإقامة العامة وهو وجوب الإتمام على كل مطمئن تارك للضرب، لعدم ورو المخصص.
ثم هناك وجه آخر يؤكد هذا ويزيده قوة، وهو أن هذه الإقامة تنازعها حكمان: أحدهما مبيح للقصر فيها، وهو مشابهتها إقامة ثلاثة أيام فأقل لكون كل منهما إقامة بين سفيرين، والثاني حاضر للقصر فهيا وهو مشابهتها للإقامة المطلقة الموجبة للإتمام لدخولهما تحت اسم الإقامة. ومن المقرر لدى علماء الأصول أن الحاضر مقدم على المبيح عند التعارض، لأنه أسلم للدين، وأبرأ للذمة.
وعلى هذا فلا يصح أن يقال بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو أقام أكثر من ثلاثة أيام لقصر، لأن هذه مجرد دعوى لا إسناد لها. ثم إنه لا يصح أن يجعل عدم فعله سنة فع لمثل ما فعله، بل الأصل فيما لم يفعله أن يكون سنة ترك إذا علم القصد من تركه. بخلاف ما فعله فإنه سنة للتأسي ما لم يثبت ما يدل على خصوصيته، فظهر بهذا عدم صحة الاحتجاج بهذه الدعوى، والله أعلم.
الخلاصة:
ظهر لنا مما سبق أن قصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أثناء إقامته وهو مسافر على نوعين:
النوع الأول: قصره لما أقام لم يسافر من أجلها، بل اقتضتها متطلبات ما سافر من أجله، ولذا فإنه يشرع لمن كانت إقامته كهذه أن يقصر ولو طالت اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
أما من سافر ليقيم، أو سافر ليقيم، ولكن طرأت له الإقامة، وهو يعلم نهايتها، فإنه لا يصح له القصر إلا ما خص بثلاثة أيام لعدم مطابقة حاله لحال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن الأصل في المقيم أنه مطمئن فيجب عليه الإتمام.