أما أن تجعل هذه الأفعال عامة لكل أنواع إقامة المسافر، ثم يحتج بها على غير ما دلت عليه فهو غير صحيح، لا من حيث طريقة الاستنباط، ولا من حيث قواعد الاستدلال. والله الهادي إلى الصواب.
ثانيًا: إن إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام حجة الوداع تختلف عن إقامته - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح، وفي غزوة تبوك لما علم من معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدد الأيام التي يحتاجها من أراد الرحلة من المدينة إلى مكة المكرمة، لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد طرقه قبل الهجرة وبعدها كما أنه طريق قريش إلى رحلة الصيف، ثم إنه كان طريقًا آمنًا عام حجة الوداع، كما أن اليوم الذي يبدأ به الحج معلوم لما عرف من أن مشروعية الحج كانت في السنة التاسعة فمشروعيته سابقة على حجة الوداع.
لهذه الأسباب كلها فإن إقامته، - صلى الله عليه وسلم - بالأبطح قبل الحج إقامة مقصوده، وهي معلومة البداية والنهاية، ولا يصح أ، يقال بأنها حصلت كيفما اتفق لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في عام الفتح وغزوة تبوك لما علم من الاختلاف بين الرحلتين لهذا فإن كبار علماء الأمة قد فرقوا في الاستنباط من الرحلتين، فاعتبروا القصر أثناء الإقامة في عام الفتح وغزوة تبوك دليل على أنه يصح القصر لمن أقام إقامة غير مقصوده، وإن طالت مدتها، لأن هذا هو عين دلالة فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس دليلًا على أن لكل من أقام أن يقصر للاختلاف بين الإقامات.
أما قصره، - صلى الله عليه وسلم - أثناء إقامته عام حجة الوداع فهو دليل على جواز القصر لمن قصد إقامة أكثر منها، لأن هذه الإاقمة كانت مراده بذاتها، ومقصودًا عدد أيامها، فدلالتها مقصورة على جواز فعل ما وقع فيها فحسب، لأنها دلالة فعل فهي ليست عامة بل خاصة لما تقرر من أنه لا عموم للأفعال.