وبعد هذا فيظهر لمن تأمل إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - السابقة أن ثمت فرقًا كبيرًا بين إقامته، - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام الفتح وبتبوك، وبين إقامته بمكة عام حجة الوداع، ويظهر هذا من خلال الأمور التالية:
أولًا: إن إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح، وفي عزوة تبوك إقامة طارئة، وغير مقصودة من قبل. بل اقتضتها مصالح الجهاد ومتطلبات الفتح فهي إقامة غير معلومة البداية، وغير محددة النهاية، لأن هذا السفر من أجل الجهاد ومنازلة الأعداء والكر والفر، لا من أجل المكث والإقامة، ومن المعلوم أن من كانت هذه حاله فإنه لا يدري ما سيواجهه من أوضاع، لذا فلا يصح أن يقال بأنه قد بيت الإقامة، أو أنه قد حدد موعد الرحيل. حتى تكون النهاية معلومة إذ لو فعله لنقل إلينا، وعدم نقله دليل على عدم فعله.
لذا فلا يصح أن يقال بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سافر ليقيم عشرين يومًا بتبوك، أو تسع عشرة بمكة، ثم يعود إلى المدينة، كما لا يصح أن يقال بأن من سافر ليقيم هذه المدة أو أكثر منها أو أقل أن له القصر اعتمادًا على هذا الفعل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعدم الدقة في تحديد دلالة هذا الفعل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولوجود الفرق بين الإقامتين، أما ما روي عن ابن عباس فإنه قابل التأويل كما سيأتي فيما بعد إن شاء الله.
ولذا فإن الصواب في الاحتجاج في هذين الفعلين: أن يقال بأنه يصح لمن سافر، وهو لا ينوي الإقامة أصلًا، ثم اقتضت أحواله أن يقيم إقامة غير محددة النهاية أن له القصر ما أقام أبدًا، لأن هذا هو المتفق مع فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أنها مقتضى العمل بقاعدة: لا عموم للأفعال، ثم هو المتفق مع ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو الذي به تجتمع الأدلة؛ أعني: دلالة الفعل ومنطوق ومفهوم الآيتين: