أما الاطمئنان فهو أعم من الأمن لأنه أمن القلوب وسكون الأبدان، وعلى هذا فيلزم من حمل الآية على ذلك أن يكون معناها: فإذا أمنتم فأقيموا الصلاة، وهذا لا يصح لما بين اللفظين من الفارق، ولما يترتب عليه من إبدال اللفظ العام بلفظ خاص وهذا خلاف الحكمة الربانية؛ لأن الله اختار لفظ الاطمئنان ليكون حدًا منه سبحانه لنهاية قصر الصلاة في حال الخوف أو الضرب في الأرض، ولم يختر لفظ الأمن، والواجب على المؤمن التعرف على حدود الله بكل دقة ليكون وقافًا عندها حتى تبرأ الذمة، والله الهادي إلى الصواب.
التوفيق بين الآية وحديث يعلى:
دل منطوق الشرط الأول في الآية على صحة القصر من كل ضارب في الأرض، إلا أن مفهوم الشرط الثاني دل على أنه خاص بمن كان خائفًا من الكافرين، لا أنه مباح لكل ضارب، لكن الشرط وجزائه، ولذا لم يقو مفهوم الشرط الثاني على تخصيص عموم منطوق الشرط الأول، ولم يرد من السنة ما يعارض منطوق الشرط الأول ولا مفهومه، لكن المعارضة جاءت لمفهوم الشرط الثاني دون منطوقة، وذلك أن هذا المفهوم يدل على أن القصر لا يجوز من غير الضارب الخائف، فجاء حديث يعلى فبين جواز القصر من كل ضارب. سواء كان خائفًا أو آمنًا، فدل هذا على أن هذا المفهم غير مراد لخروح منطوقه مخرج الغالب إذ كانت أسفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت نزول الآية في وقت مخوف. وبها اجتمعت الآية والحديث. والله أعلم.
دلالة قصر النبي - صلى الله عليه وسلم -
أثناء إقامته في السفر
سبق أن بينت أن القرآن قد دل على أن القصر لا يصح إلا ممن كان ضاربًا في الأرض، وأن الضرب في الأرض هو السير فيها، وأن مفهم الآية السابقة وجوب الإتمام لمن لم يكن ضاربًا، وقد أكد هذا المفهم بمنطوق قوله تعالى: { فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } . إلا أنه جاء في السنة الفعلية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القصر أثناء إقامته في سفره.