أما الدليل على دخول صلاة الخوف في حال السفر تحت دلالة الآية، فهو وجود النص عليها في الآية نفسها، ثم إن الله تعالى قد بين لنبيه، - صلى الله عليه وسلم - نوع القصر في حال مواجهة العدو في الآية التالية لهذه الآية مباشرة، وهي قوله تعالى: { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ } (1) . فهذه الآية مبينة لنوع واحد من أنواع القصر المراد في الآية السابقة، أما بقية أنواع القصر في حالتي الأمن والخوف، فقد بينته السنة، كما مر نوع القصر في حال الأمن كما في حديث عمر - رضي الله عنه - السابق.
فإذا تقرر هذا فإن الآية السابقة وهي قوله: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح } قد قيدت القصر بالضرب في الأرض، فمفهوم ذلك عدم جوازه لمن توقف ضربه، وهذا المفهوم قد نصت عليه الآية التي جاءت بعد الآيتين السابقتين وهي قوله تعالى: { فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } (2) .
فهذه الآية قد أوجبت على المؤمنين إقامة الصلاة في حال الاطمئنان، وهو سكون البدن عن الحركة، والقلب عن الخوف، كما مضى بيان هذا في المدلول اللغوي لهذه الكلمة.
فظهر بهذا أن القصر ينتهي عند التوقف عن الضرب في الأرض، لا بالاستيطان خلافًا لمن قال به من أهل العلم، لأن الاستيطان قدر زائد عن مجرد التوقف عن الضرب في الأرض، المعبر عنه بالاطمئنان في الآية، ولأن معنى الاستيطان اتخاذ المكان المعين موطنًا، ومأوى يأوي إليه الإنسان. أما الاطمئنان فهو توقف البدن عن الحركة، والقلب عن الخوف، الفرق بينهما ظاهر.
ولذا قد وقع من حد هذا بالاستيطان بعدم الأخذ بما جعله الله حدا لإباحة القصر، وهذا لا يجوز.
(1) سورة النساء: الآية 103.
(2) سورة النساء: الآية 103.