لكن الدليل إذا وقع فيه الاحتمال سقط به الاستدلال، فقوله وانفتل من محرابه أي من صلاته أو مصلاه، وكذلك من ذكر أول المحاريب لم يرجعها لعصر أبي بكر رضي الله عنه. وما ورد في كتاب التراتيب الإدارية للكتاني من سنية تشييد المحاريب محل كذلك.
قَالَ عَلِيّ الْقَارِي: أَيْ جِدَار الْمَسْجِد الَّذِي يَلِي الْقِبْلَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهَا الْمِحْرَاب الَّذِي يُسَمِّيه النَّاس قِبْلَة لِأَنَّ الْمَحَارِيب مِنْ الْمُحْدَثَات بَعْده صلى الله عليه وسلم وَمِنْ ثُمَّ كَرِهَ جَمْع مِنْ السَّلَف اِتِّخَاذهَا وَالصَّلَاة فِيهَا
قَالَ الْقُضَاعِيُّ: وَأَوَّل مَنْ أَحْدَث ذَلِكَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَهُوَ يَوْمئِذٍ عَامِل لِلْوَلِيدِ بْن عَبْد الْمَلِك عَلَى الْمَدِينَة لَمَّا أَسَّسَ مَسْجِد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَهَدَمَهُ وَزَادَ فِيهِ , وَيُسَمَّى مَوْقِف الْإِمَام مِنْ الْمَسْجِد مِحْرَابًا لِأَنَّهُ أَشْرَف مَجَالِس الْمَسْجِد , وَمِنْهُ قِيلَ لِلْقَصْرِ مِحْرَاب لِأَنَّهُ أَشْرَف الْمَنَازِل , وَقِيلَ الْمِحْرَاب مَجْلِس الْمَلِك سُمِّيَ بِهِ لِانْفِرَادِهِ فِيهِ , وَكَذَلِكَ مِحْرَاب الْمَسْجِد لِانْفِرَادِ الْإِمَام فِيهِ. وَقِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُصَلِّي يُحَارِب فِيهِ الشَّيْطَان. [1]
قال السيوطي: خفي على قوم كون المحراب بالمسجد بدعة، وظنوا أنه كان في زمن النبي ولم يكن في زمنه ولا في زمن أحد من خلفائه، بل حدث في المائة الثانية مع ثبوت النهي عن اتخاذه. ثم تعقب قول الزركشي المشهور أن اتخاذه جائز لا مكروه لم يزل عمل الناس عليه بلا نكير ..
(1) عون المعبود ج: 2 ص: 103