ولقد اعتبر هؤلاء المستشرقون أن استخدام العمال النصارى في بناء المسجد أنهم كانوا أحرارًا في التصرف بشكله ومعالمه كما يشاءون .. وهذا لعمري منتهى التفاؤل بمكانة هؤلاء العمال الذين لم يكونوا، في الواقع أكثر من فعلة عاديين ينفذون ما كان يطلبه إليهم صالح بن كيسان الذي جعله عمر بن عبد العزيز مشرفًا على هدم المسجد وإعادة بنائه من جديد وفقًا للمخطط الذي وضعه له الخليفة الأموي الوليد ابن عبد الملك نفسه.
ومما يؤكد أن المسلمين كانوا يشرفون بكل دقة وانتباه على العمال الروم الذين كانوا يقومون بإعادة بناء المسجد النبوي، الخبر الذي رواه السمهودي عن لسان صالح بن كيسان الذي قال: لما جاء كتاب الوليد من دمشق لهدم المسجد سار خمس عشرة، فجرد في ذلك عمر بن عبد العزيز الذي كان واليًا على المدينة آنذاك قال صالح بن كيسان:"واستعملني على هدمه (أي المسجد) وبنائه، فهدمناه بعمال المدينة، فبدأنا بهدم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى قدم علينا الفعلة الذين بعث بهم الوليد".انتهى
ومما يبين لنا شدة الرقابة التي فرضت على العمال الروم ما رواه السمهودي عن ابن زبالة الذي قال:"فبينما أولئك العمال يعملون في المسجد إذ خلا لهم المسجد فقال بعض أولئك العمال من الروم ألا أبول على قبر نبيهم، فتهيأ لذلك ونهاه أصحابه، فلما هم أن يفعل اقْتُلِعَ فأُلْقِيَ على رأسه، فانتثر دماغه، فأسلم بعض أولئك النصارى، وعمل أحد أولئك الروم على رأس خمس طاقات في جدار القبلة في صحن المسجد صورة خنزير، فظهر عليه عمر بن عبد العزيز فأمر به فضربت عنقه"انتهى كلام السمهودي بنصه.