فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 69

ولعل في هذه الحكاية ما يعطينا صورة صحيحة عن الرقابة الشديدة التي كانت مفروضة على أولئك العمال لئلا يستغلوا وجودهم في المسجد لتشويهه أو تغيير معالمه الأصلية.

ويبدو لنا أن ما حدا ببعض المستشرقين إلى القول بأن المسلمين قلدوا الكنائس عند بناء مساجدهم هو ما جاء في كتاب السمهودي في قوله: ولما فرغ عمر بن عبد العزيز من بنيان المسجد أرسل إلى أبان بن عثمان (بن عفان) فحُمِل في كساء خز حتى انتُهِى به إليه، فقال - أي عمر بن عبد العزيز - أين هذا البناء من بنيانكم؟ فقال - أي أبان بن عثمان - بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس: على أن هذا الحوار الذي جرى بين عمر وبين أبان لا يشير من قريب أو بعيد إلى أن المحراب كان محور الكلام بين الرجلين، بل إن أبان أراد من قوله:"بنيتموه بناء الكنائس"أي جعلتموه مزخرفًا كما هي الحال في الكنائس، بينما نحن جعلناه بسيطًا كما يفترض أن تكون المساجد.

وأيًا ما كان فإن المقابلة بين محراب المسجد ومذبح الكنسية، قياس مع الفارق كما يقول أهل المنطق، ذلك أن مذبح الكنيسة عبارة عن فناء كبير في صدرها، يتسع لطاولة توضع عليها معدات الطقوس الكنسية ومراسم الصلاة التي يستعملها الكاهن، وهذا الفناء مصمم بحيث يمكِّن هذا الكاهن أن يروح فيه ويغدو من غير عائق، أما المحراب في المسجد فإن مكانه وشكله يدلان بوضوح على أنه مجرد موضع يتسع للإمام في ركوعه وسجوده أثناء الصلاة، بحيث لا يشغل مساحة كبيرة يستهلكها هذا الإمام من أصل مساحة المسجد دون أي طائل أو فائدة. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فان من أهداف المحراب الأساسية، تحديد جهة القبلة بالنسبة للبلد الذي يوجد فيه المسجد".انتهى كلام طه الولي ونقله عن السمهودي [1] "

(1) الشيخ طه الولي في كتابه المساجد في الإسلام صفحة: 230، وصفحة: 325 وقال: وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى صلى الله عليه وسلم، ج1ص370 ط مصر سنة 1327هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت