الشريعة في توزيع الصلوات, وفي مدة الصوم بصورة لا يكون فيها تكليف ما لا يطاق, ويتحقق فيها المقصود الشرعي دون انتقاص] اهـ.
لا يقال: من عجز بنفسه عن الصيام حينئذ فله أن يُفطِر, وعليه القضاء في أيام أخر يتمكن فيها من الصيام, حكمه في ذلك حكم غيره؛ لأن شرع الصوم من الفجر إلى المغرب عامٌّ لم يُخَصَّصْ ببلد ولا بنوع من الناس.
لأنا نقول: هذا في شأن التكليف الذي يطيقه عموم الناس ثم يحصل لبعضهم من الأحوال ما يُعجزُه عنه, فأما ما عُلِم من الواقع ونفس الأمر أن تَحَمُّلَه ليس من شأن الجسد البشري أصلًا وقرر المختصون تَمَخُّضَ ضرره على المكلَّف في حالته المعتادة فإن المجتهد يجزم بعدم قصد الشارع له أصلًا, ولا يُقال فيه: من عجز أفطر وقضى؛ لأن هذا يؤدي إلى سقوط تكليف الصوم بالكُلِّية أو الإضرار بالمكلَّف وإيقاعه في الحرج بتعطيل أعماله ومصالحه, واضطراب معايشه وشؤون حياته, إن كانت سائر السنة كذلك, أو نقل عبادة الصوم إلى شهر آخر أقرب إلى الاعتدال إن كان في السنة أوقات يزول فيها هذا الاختلال, وكل ذلك خارج عن حكمة شريعة الصوم.
ولذلك فإن الإمام محمود شلتوت - رحمه الله تعالى - جعل ذلك فرضًا واجبَ الاستبعاد؛ فقال في «الفتاوى» (ص: 126) :
[ولا ريب أن الجري في هذه الجهات على بيان الأوقات التي عُرفت للصلاة والصوم يُؤدي إلى أن يصلي المسلم في يومه وليلته - وهو «سنة كاملة» - خمس صلوات فقط مُوزعة على خمسة أوقات من السنة كلها, ويُؤدي كذلك في بعض الجهات إلى أن تكون الصلوات المفروضة أربعًا أو أقل, على حسب طول النهار وقِصَرِه, وكذلك يُؤدي إلى أن يُكَّلف المسلم في تلك الجهات صوم رمضان ولا رمضان عنده, وفي بعضها يؤدي إلى صوم ثلاث وعشرين ساعة من أربع وعشرين ساعة, وكلُّ هذا تكليف تأباه الحِكمة من أحكم الحاكمين والرحمة من أرحم الرحماء. وإذن يجب استبعاد هذا الفرض] اهـ.